كتب محند حجيري في المدن: لم يمر الاحتفال بالذكرى الثانية لرحيل المثقف الجنوبي، حبيب صادق، في جامعة اليسوعية، من دون بلبلة فايسبوكية وانسحابات سياسية، فبمجرد أن ألقى السفير السابق الجزيني، سيمون كرم، كلمته، وجد فيها البعض حجة للانسحاب والشوشرة والقيل والقال… سيمون كرم الذي يقول كلماته بلا مواربة وبلا لف ودوران، قال إن “شروط إنهاء الحرب(الإسناد) جاءت أفدح من الحرب؛ وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل، ساعين الى بعث ما عاشوه غلبة، سحابة سنوات قصيرة عجاف، وأدى بهم وبالبلاد وأهلها الى هذا الخراب العميم”… و”يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الديبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة؛ والجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس؛ “والقوات الدولية” لسعيها تنفيذ القرارات الدولية؛ وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم كفى”.
أضاف كرم: و”جميع هؤلاء خونة ومتآمرين؛ وبقايا السلاح وبقايا العسكر وبقايا الأمن وبقايا الإعلام مستنفرون لتأديبهم وإخضاعهم. هذا فيما لا يضاهي استمرار الضربات الإسرائيلية إلا دقتها القاتلة؛ في إصابة مراكز هي في المبدأ سرية، ومسؤولين عسكريين وأمنيين وتمويليين، المفترض ألا تعرفهم إلا الحلقة الضيقة في البيئة الحاضنة! وحزب الله صبر على إسرائيل التي أردت الى الآن ما يفوق مئتي ناشط منذ أوقفوا نارهم، ولا صبر على الداخل، رئاسة وحكومة وجيشاً ومجتمعاً مدنياً ومراكز ثقافية وجامعات وجماعات ومدناً وبلدات؛ بما فيها تلك التي فتحت بيوتها وقلوبها للنازحين في محنتهم؛ ثم كلمة جارحة مع كل إطلالة، آخرها: باقون على قلوبكم”.
ما قاله السفير السابق، صديق حبيب صادق، يقال في الشارع وعلى المنابر وفي الصحف ومحطات التلفزة وفي الاجتماعات السياسية وفي النقاشات اليومية، والرجل أتى ليتكلم في السياسة في ذكرى صديقه المثقف والسياسي والمناضل، لا ليقول شعراً بحسب وصف نائب رئيس المجلس الثقافي الجنوبي وداد يونس. لكن النائب “التغييري” الذي يتغزل كثيراً بـ”الثنائي الوطني” وكان يحاضر في أروقة نظام الأسد، لم يحتمل صوت سيمون كرم، فقال: “انسحبت لأن حبيب صادق كان من أبرز رموز الثقافة والأدب والحوار في الجنوب اللبناني وليس من دعاة الشماتة والتشفي”. وقال ناشط ممانع إنه انسحب “احتجاجاً على اغتيال حبيب صادق في حفلة تكريمه”. المشهد برمته عكس واقع البلد وأزماته وثقافاته وسياساته ووجهته وصراعاته التي لا تنتهي.
بغض النظر عن البلبلة وكلمة سيمون كرم السياسية، ربما علينا استقراء سيرة حبيب صادق في المستنقع اللبناني. فالرجل ابن العائلة الدينية، نشط ثقافياً في جبل عامل، قبل أن يحط في بيروت حيث عمل في التدريس بداية، وتوطّدت علاقته بكتّاب ومثقفين مثل محمد دكروب وعبد اللطيف شرارة وسلام الراسي، إلى أن انطلقت مغامرة “المجلس الثقافي للبنان الجنوبي” التي ستلازمه إلى آخر أيامه إلى درجة أن ثمة من قال إن المجلس هو حبيب صادق وحبيب صادق هو المجلس”. وكان صادق “المحرك الثقافي” في القضايا التي تناولت الثقافة الجنوبية ومواجهة إسرائيل، وصولاً إلى القضايا السياسية. بدأت التجربة العام 1964 على أيدي ثلّة من مثقفي الجنوب اللبناني وكتّابه، والرجل العاملي الخيامي كان مقرباً من الزعيم الدرزي كمال جنبلاط، وبقي يسارياً خارج التنظيم لكن في بحر الحزب الشيوعي اللبناني. ترشّح إلى الانتخابات النيابية في العامين 1968 ثم 1972 ويقال إن السلطة أسقطته، لكنّه لم يدخل الندوة البرلمانيّة إلا العام 1992 عبر لائحة “التنمية والتحرير” برئاسة نبيه بري، في زمن منع النظام السوري الحزب الشيوعي من الوصول إلى البرلمان، وما لبث صادق أن انسحب من الكتلة ليصبح نائباً مستقلاً. وفي انتخابات 1996 كان ابعاد حبيب صادق عن المشهد السياسي في الجنوب، أول تجارب الإقصاء من قبل “الثنائي الشيعي”، وما زال يطن في الآذان قول نبيه بري لحزب الله: “هل كارل ماركس أقرب إليهم مني؟”، وكان يقصد حبيب صادق.
وكان بري في حملته الانتخابية بمواجهة صادق ينعته بـ”الإقطاع الثقافي”، وقيل إنه اتصل بالقائد الشيوعي الراحل جورج حاوي ليضغط عليه من أجل الانسحاب، وفي العام 2000 حصل الجفاء بين صادق وبعض الشيوعيين، وتحديداً سعدالله مزرعاني، بسبب التباين السياسي. استمر صادق ملازماً للمجلس الثقافي وقد حوّله إلى منبر للحوار بين العديد من الأفرقاء السياسيين من اليمين والوسط واليسار، وانبثق عن ذاك الحوار “المنبر الديموقراطي” الذي شارك في “لقاء البريستول” المُعارض أواخر العام 2004، ثم في تظاهرة 14 آذار بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري العام 2005. لكن المستنقع الطائفي بعد انتخابات 2005 أبعد حبيب صادق ورفاقه الشيعة بعد “التحالف الرباعي” لإرضاء “الثنائي”، وخرج صادق مؤسس “المنبر الديموقراطي” من المعمعة السياسيّة مائلا إلى الصمت السياسي، ناشطاً في المجال الثقافي، ليرحل تاركاً فراغاً، في زمن تحول الجنوب إلى ثقافة ذاتن وجهة “إلهية” واحدة بعد تقزم اليسار، وأتت إسرائيل أيضاً لتدمر مقر المجلس في النبطية خلال “حرب الإسناد” الأخيرة.
لم ينجُ العزيز حبيب صادق من خذلان السياديين، ولا من إقصاء الممانعين، ولا من جفاء الشيوعيين، ووجد في الثقافة ملاذه الدائم.



































































