ليست المسألة في لبنان مجرد رأي سياسي عابر حين يُذكر اسم المملكة العربية السعودية، بل هي استدعاء لذاكرة مرحلة مفصلية من تاريخ وطنٍ أنهكته الحرب. فعندما يُذكر اتفاق الطائف، يُستحضر الدور الذي أسّس لوقف النزيف وفتح الباب أمام عودة الدولة. تلك اللحظة لم تكن تفصيلاً عابرًا، بل كانت نقطة تحوّل انتقل فيها لبنان من زمن الميليشيات إلى محاولة استعادة المؤسسات.
المملكة، في وجدان كثيرين، لم تكن يومًا طرفًا في صراع داخلي، بل مساحة تقاطع وحاضنة حلّ. احتضنت الاتفاق، ورعت التفاهم، وقدّمت غطاءً عربيًا أوقف انحدار البلاد نحو المجهول. ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسمها في الذاكرة اللبنانية بعنوان الاستقرار، حتى وإن تعثّر المسار لاحقًا بفعل تناقضات الداخل.
ثم جاءت مرحلة الإعمار، حيث لم يكن الحديث عن حجرٍ يُرصّ فوق حجر، بل عن إعادة ترميم صورة وطنٍ تصدّع. في تلك المرحلة أيضًا، كان الحضور السعودي واضحًا في دعم الدولة ومؤسساتها، وفي بثّ رسائل ثقة بأن لبنان يستحق فرصة جديدة. لم يكن الدعم استعراضًا سياسيًا، بل امتدادًا لرؤية تعتبر أن استقرار لبنان جزء من استقرار محيطه العربي.
غير أن العلاقة لا تُختزل في السياسة والاقتصاد فقط. ثمة بعدٌ وجداني وروحي لا يمكن تجاهله. فحين يتوجّه المسلمون في صلاتهم خمس مرات يوميًا إلى القبلة في مكة المكرمة، فإن الرابط يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، ليصبح جزءًا من هوية وانتماء. هذا البعد يمنح العلاقة عمقًا خاصًا، يجعلها أقرب إلى الثوابت منها إلى التحالفات الظرفية.
صحيح أن أصواتًا نشازًا قد ترتفع بين الحين والآخر، تحاول التشويش أو التقليل من الأدوار، لكن التجارب الكبرى لا تُمحى بضجيج عابر. فالشمس لا تُحجب بغبارٍ يثيره الحاقدون، والتاريخ لا يُكتب بانفعال لحظة. ومن قدّم خيرًا ثابتًا لا تضرّه حملات عابرة، لأن (كل ذي نعمة محسود).
في زمن الانقسامات الحادّة، يصبح التذكير بالثوابت فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا. والوفاء ليس اصطفافًا، بل اعتراف بدورٍ في محطةٍ مفصلية من تاريخ وطن. من هنا، فإن الحديث عن المملكة ليس ترفًا في المديح، بل قراءة في سياقٍ تاريخي يرى أن ما جمعه الاستقرار والاحتضان العربي، لا يجوز أن تفرّقه حسابات ضيقة أو انفعالات آنية.


































































