يشهد لبنان في الأسابيع الأخيرة تراكماً خطيراً للأزمات على أكثر من جبهة، إذ تضغط الولايات المتحدة وأطراف دولية أخرى بإلحاح على بيروت للوفاء بالتزاماتها، وخاصة الملف المتعلق بسلاح حزب الله. أعلنت واشنطن مهلة صارمة لنهاية نوفمبر الجاري لتقديم خطوات عملية نحو نزع سلاح “الميليشيا”، ربطاً بإمكانية تجنب حرب إسرائيلية شاملة. وتزامن ذلك مع رسائل أميركية قوية تطالب بإنهاء ما يعرف بـ«القرض الحسن» وسلسلة ممارسات مالية من دون شفافية، قبل نهاية العام وإلا فستنزل عقوبات تشمل مسؤولين وسياسات محددة. بل إن مصادر لبنانية أوضحت أن القيادة الأميركية استدركت تصاعد لهجة المقاومة بأن ألغت زيارة كان سيجريها قائد الجيش اللواء رودولف الحايك إلى الولايات المتحدة، ردّاً على تصريح الجيش اللبناني الذي دان اعتداءات إسرائيل المستمرة ووصفها بـ«الهجومية».
في المقابل، تصاعدت في الأيام الماضية التصريحات والتهديدات الإسرائيلية الموجهة إلى لبنان. فقد كرر رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تارةً بعد أخرى، أن حزب الله يستعيد قدراته وأنه “يهدّد أمن دولة إسرائيل”، محمّلاً الحكومة اللبنانية مسؤولية عدم قيامها بدورها في رفع السلاح عن مناطقه. وتحدث وزير الدفاع الإسرائيلي بإسرائيل كاتس عن “لعب حزب الله بالنار”، مؤكداً على “التزام بلاده باستخدام حقّها في الدفاع عن النفس” في حال لم تنزعِ السلاح خارج سيطرة الدولة. عملياً، شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية في الآونة الأخيرة غارات يومية على مناطق جنوب لبنان وجنوب البقاع، ودمّرت مصانع ذخيرة وخزائن أسلحة قالت إنها تابعة للمقاومة. وترافقت هذه الضربات أحياناً مع أوامر إخلاء لسكان قرى حدودية، في سابقة نادرة منذ إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024. من جهتها، دانت بيروت مراراً ما تعتبره انتهاكات للقرار 1701 للأمم المتحدة، وطالبت بوقف هذه الضربات. لكن الجانب الإسرائيلي ربط استئناف سحب قواته وبناء ثقة بوجود ضمانات جدية لنزع سلاح “حزب الله”، بل قال مسؤولون إسرائيليون إن «إسرائيل لن تسمح باستعادة حزب الله لقوته العسكرية المفقودة»، وإنها ستسعى لفعل ذلك بمساعدة دولية إن لزم الأمر.
أمام هذا المناخ المتوتر، تفاقمت التوترات السياسية الداخلية. قاد زعيم «حركة أمل» رئيس مجلس النواب نبيه برّي جبهة واضحة لعرقلة أي إصلاحات حقيقية في البرلمان، إذ يؤجّل عقد الجلسات أو يفرض دمجها بشروط اضطرارية، كي يضمن تمرير ملفات تخص ما يُعرف بالثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) فقط. ورُصد تكرار استخدام رئيس المجلس لممارسات يعتبرها خصومه «ابتزازاً سياسياً»، مثل ربط إقرار قوانين – وعلى رأسها قانون الانتخابات وحقوق المغتربين – بقبول بنود لمشاريع تُصاغ بما يخدم مصالح تلك القوى. ويثير ذلك غضبًا واسعًا لدى تحالفات سياسية أخرى، لاعتبار أن مشهد الغياب والتصويت بالكتل تسبّب بتعطيل الكثير من التشريعات الضرورية وسط انهيار اقتصادي. وقد وصل هذا الاحتقان إلى حد أن نواباً أميركيين، من حزبَي الرئيسين السابقين ترامب وبايدن، هددوا بفرض عقوبات على “الأطراف والطبقة السياسية الفاسدة” التي تحاول منع تقدم المساعي الديمقراطية، واشاروا علناً إلى برّي بأنه يقف في طريق “التقدم والإصلاح”.
ولا يقتصر تأزّم الوضع الداخلي على التعطيل السياسي فحسب، بل يشمل أيضاً مناخ التحريض الطائفي الذي تصاعد أخيراً. فقد حمّل بعض قيادات “الثنائي الشيعي”، وفي مقدمتهم نائب الأمين العام لحزب الله نصر الله قاسم، الدولة اللبنانية مسؤولية ما اعتبروه “التآمر على المقاومة” والسعي إلى خوض حرب أهلية. ففي خطاباته الأخيرة توعّد الحزب بمنع نزع سلاحه «حتى لو كلف الأمر حرباً كـ«كربلاء»، واستخدم مصطلحات تمجّد المقاومة على أنها خط أحمر. وردّت جهات سنية ومسيحية وسياسية على هذه التصريحات بإدانة ما اعتُبر تحريضاً على الفتنة، بل أن بعضهم سلّم قسيمات إلى القضاء اللبناني متهمًا قاسم بالتهديد والترهيب. وتزامن ذلك مع دعوات لتهدئة الحيثيات الطائفية والتركيز على الحوار الرسمي بعيداً عن لغة التصعيد، وهو مطلب عبّرت عنه شخصيات عامة ودينية في الأيام الماضية تحذيراً من مخاطر أي مواجهة داخلية تستنزف ما تبقى من قوة الدولة.
يضاف إلى ذلك عامل خارجي ثانٍ على الحدود مع سوريا؛ فمحاولات حزب الله مدعومة بنفوذه في دمشق تُعدّ من أبرز نقاط الجدل. فقد أفادت تقارير أمنية أن الحزب يحاول استغلال الفوضى السورية لجذب فصائل مسلّحة للعبور إلى الأراضي اللبنانية بهدف إثارة توترات طائفية جديدة ولخلق بؤر توتر على طول الحدود الشرقية. وفي المقابل تنبه الأجهزة الأمنية اللبنانية لوجود مسارات تهريب أسلحة من سوريا إلى «البقاع الغربي»، الأمر الذي يزيد المخاوف من أن تكون هناك محاولات لجرّ سوريا نفسها إلى سيناريوهات اقتحام بلدات لبنانية، وهو ما عبرت عنه تقارير إعلامية حيناً وأجهزة أمنية محلية حيناً آخر. وحتى الآن تبدو تحرّكات الجيش اللبناني على الحدود مع سوريا حذرة، بحيث لا تريد إفساح المجال لذريعة تدخل أكبر، وسط مناشدات لترك التراب اللبناني وحدوده بمنأى عن أي صراعات جانبية.
وسط هذه المشاهد الأمنية والسياسية المضطربة، برز الجيش اللبناني كمؤسسة أمنية وحيدة تحظى بقبول عام أكثر من غيرها داخل البلاد. فقد استمرت وحداته في حملتها على تجار المخدرات في منطقة البقاع؛ إذ سقط يوم الثلاثاء الماضي اثنان من جنوده قتلى في اشتباكات مع عناصر مطلوبين في «حي الشراونة» بمدينة بعلبك في شرق البلاد، حينما نفّذت قوة من جهاز المخابرات حملة توقيفات استهدفت عصابات إجرامية نافذة كانت تخزن أسلحة ومخدرات. وأعلنت القيادة السورية أنها قتلت أحد «أخطر المطلوبين» في المواجهة، إلى جانب مصادرة كميات كبيرة من المخدرات والقذائف. هذه العملية الأمنية لاقت ترحيباً مجتمعياً واسعاً كمحاولة لتطبيق القانون على من اعتادوا العمل بمنأى عن الدولة، لكنها أعادت إلى الواجهة حجم التحديات اللوجستية التي يعاني منها الجيش. إذ أشار وزير المالية ياسين جابر إلى أن المؤسسة العسكرية بحاجة ملحّة للدعم من الشركاء الدوليين؛ خصوصاً بعد أن أشار الرئيس ميشال عون مؤخراً إلى أن «الكلمة الطيبة لم تعد كافية دون توفير معدات وآليات جديدة للجيش». وما يعزّز المخاوف بالنسبة للعسكريين أن إسرائيل ما زالت تواصل غاراتها وتهديداتها؛ وهو ما نصّفت القيادة اللبنانية “إعاقة رئيسية أمام نشر الجيش في الحدود الجنوبية”، رغم اتفاقية وقف القتال التي تُلزمها بانتشار شرطي كامل في الجنوب مقابل وقف الهجمات.
على وقع كل ذلك، ينهار الوضع المالي والاقتصادي للبنان بشكل لم يسبق له مثيل منذ الحرب الأهلية. فقد فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 90% من قيمتها مع استمرار السياسات المالية العشوائية، بينما عزّ التخبط الاقتصادي وطأة ضغوط تشديد المراقبة المالية من جانب مجموعة العمل المالي الدولي (FATF) التي وضعت لبنان على لائحة الترقب. كما تشكل ممارسة «القرض الحسن» (وهي جمعية تمويل إسلامي مدعومة تقليدياً من «حزب الله») نقطة خلاف مع واشنطن التي تطالب بإيقاف تداولها بحلول نهاية العام. فالجمعية ملاحَقة بتهم شبيهة بغسيل الأموال وتسهيل تمويل الجماعات المسلحة. ويقول خبراء إن الإصرار على إبقائها أمام طلبات الإقفال الأميركية قد يؤدي لتجميد قروض نقدية خارجية جديدة، كما قد ينذر بفرض عقوبات على قطاعات مالية إضافية، إذا لم تقم السلطات اللبنانية بإجراءات فورية لحل معضلة الديون والقروض «غير الشفافة» المرتبطة بها.
في محصلة الأمر، يبدو لبنان أمام منعطف حاسم: فهو بمثابة ساحة ضيّقت عليها سياسات «حرب العصابات السياسية»، وصراع المحاور الإقليمية المحمومة. وفي خضم الهواجس الدولية والأزمات الداخلية المتراكمة، تتجدد الدعوات المحلية والدولية إلى قيام طبقة سياسية أكثر انضباطاً، بتغليب مصلحة الدولة والمؤسسات على أجنداتها الفئوية. فبين الرغبة الأميركية والإسرائيلية في نزع سلاح «حزب الله» والحفاظ على حدود آمنة، وبين مطالب اللبنانيين بإقرار إصلاحات سياسية واقتصادية متأخرة، تبقى العبرة في قدرة القيادة الوطنية ومؤسسات الدولة على الامتثال لقواعد اللعبة الدولية، وتفادي منزلق فوضى داخلية أكبر كانت أو حرب خارجية. ذلك المزيج المعقد من الضغوط يضع لبنان على مفترق طرق؛ والأيام القادمة قد تحسم أي المسارين – نحو توافق يجنب البلاد كارثة شاملة أو نحو مزيد من الانحدار تحت وطأة التوترات المتبادلة.


































































