تقترب لبنان من استحقاق انتخابي جديد، لكن السؤال الأخلاقي والدستوري الذي يجب أن يُطرح بوضوح ومن دون مواربة هو: هل يجوز الذهاب إلى انتخابات نيابية في بلد تُنتهك فيه أبسط شروط العدالة الانتخابية، وتُداس فيه قواعد الشفافية والإنفاق القانوني، وتُختطف فيه إرادة الناخبين تحت ضغط المال السياسي، والتهديد، والفقر المصنَّع؟
الحقيقة الصادمة أنّ أي انتخابات لا تُجرى ضمن قواعد دستورية صارمة ومن دون تطبيق كامل لقانون الإنفاق، ليست انتخابات، بل عملية تزوير مقنّع تُعاد من خلالها إنتاج طبقة سياسية تموّل نفوذها بالمال المشبوه وتثبّت زعاماتها بقوة الابتزاز.
أولاً: المال الانتخابي – سرطان العملية الديمقراطية
منذ سنوات، تتحوّل الانتخابات النيابية في لبنان إلى معركة مالية قبل أن تكون معركة سياسية.
المرشحون الذين يملكون ثروات طائلة—بعضها ناتج عن تبييض أموال، تهريب، أو تجارة غير مشروعة—يقتحمون الساحة الانتخابية بلا حسيب ولا رقيب.
وفي ظل غياب رقابة حقيقية من هيئة الإشراف على الانتخابات، يصبح السقف المالي مجرد ورقة حبر لا أكثر.
إن إجراء انتخابات بلا محاسبة مالية حقيقية يعني ببساطة:
فتح الأبواب للمال الفاسد لشراء الذمم
تحويل الصوت الانتخابي إلى سلعة
قتل المنافسة الشريفة
وإلغاء حق الناخب الفقير في المشاركة الحرة
بهذه الطريقة، لا يُنتخب نوّاب، بل رجال مال يملكون القدرة على شراء الطريق نحو المجلس، لا القدرة على صناعة التشريع والإصلاح.
ثانياً: الفقر المصنّع – آلية مدروسة للسيطرة على الناس
الأسوأ من شراء الأصوات هو أن بعض القوى يصنعون الفقر بأيديهم، ثم يستغلونه كأداة سياسية.
يفقرون مناطقهم، يتركون الناس بلا كهرباء ولا طبابة ولا فرص، ثم يعودون ليقدّموا المساعدات المشروطة بالولاء السياسي.
هكذا تُخترق العملية الانتخابية من جذورها:
ناخب محتاج، و”زعيم” يحتاج أصواته.
العلاقة ليست ديمقراطية، بل علاقة استتباع.
لا برامج، لا رؤى، لا خطط، بل قسائم بنزين، أكياس مساعدات، ووعود فارغة.
إن هذا النموذج، مهما تزيّن بالشعارات، هو إهانة للكرامة الإنسانية ونسف صريح لأسس الجمهورية.
ثالثاً: الاستغلال الحزبي – هيمنة مقنّنة خارج القانون
هناك قوى تتعامل مع الانتخابات كأنها ملكية خاصة:
تهديد المقترعين، الضغط على الموظفين، استخدام المؤسسات العامة وكأنها مكاتب حزبية، وتنظيم لوائح تحت شعار “الزعامة” التي لا تُناقش ولا تُحاسب.
هذه الهيمنة لم تعد مجرّد نفوذ سياسي، بل تحوّلت إلى مخالفة دستورية وأخلاقية تُفقد الانتخابات معناها.
لا يمكن الحديث عن انتخابات حرّة في ظل:
خطاب تهديدي
شبكات محسوبية
توريث سياسي
وضغوط مباشرة وغير مباشرة على الناخب
الديمقراطية ليست “استغلال الفقراء”، وليست “قوة السلاح السياسي”، بل هي تنافس حرّ بين برامج، لا بين أجهزة ضغط.
رابعاً: الانتخابات بلا قانون… ليست انتخابات
إن الإصرار على إجراء الاستحقاق بأي ثمن، ومن دون ضمانات قانونية صريحة، ليس عملاً ديمقراطياً بل خيانة للميثاق الوطني ولإرادة الناس.
أي انتخابات لا تُبنى على:
شفافية مالية صارمة
منع المال السياسي ومحاسبة مصادره
وقف الاستغلال الحزبي والطائفي
حماية الناخب من الفقر المصنّع
إشراف كامل ومستقل على كل مراحل العملية
هي انتخابات تُعيد تدوير نفس الطبقة الفاشلة عبر أدوات أكثر خداعاً وتطوراً.
خامساً: المطلوب… لا انتخابات قبل إصلاح الانتخابات
أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يشعر اللبنانيون أن أصواتهم لا قيمة لها.
عندها لا يعود المجلس ممثّلاً للشعب، بل يصبح سلطة فوق الشعب، تُعاد إنتاجها كل أربع سنوات بطرق لا تمتّ للديمقراطية بصلة.
لذلك، فإن أي دعوة إلى انتخابات من دون إصلاح جذري—مالي، إداري، وقانوني—هي محاولة لتجميل سلطة فقدت شرعيتها الأخلاقية والشعبية.
وأخيــــرا…
لبنان يستحق انتخابات لا يتحكّم فيها المال الأسود، ولا تفرضها الزعامات المفروضة، ولا تُشترى فيها المعاناة، ولا تُستغل فيها حاجة الناس.
الانتخابات يجب أن تكون لحظة شفاء ديمقراطي، لا لحظة إعادة تثبيت من دمّروا الدولة وأفقروا المجتمع.
الذهاب إلى انتخابات غير قانونية هو أخطر من تأجيلها.
والسكوت عن الفساد الانتخابي هو مشاركة فيه.
ولبنان لن ينهض إلا حين تصبح إرادة الناس فوق أموال المتمولين، وفوق هيمنة الأحزاب، وفوق الفقر الذي يصنعونه لتثبيت سلطتهم.


































































