
في لحظة عربية نادرة الوضوح، وقفت القاهرة لتقول إن أمن الرياض ليس شأناً سعودياً وحده. أعلنت مصر تضامنها الكامل مع المملكة وأكدت أن أمنها جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي. ثم دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي البرلمان إلى عقد جلسة طارئة لمنحه تفويضاً باتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن السعودية إذا طلبت المملكة ذلك. هذا موقف عربي يشبه ما قالته الدول عن نفسها طويلاً ولم تفعله إلا قليلاً، لكن اللافت هو ما تلاه.
لم يأتِ الاعتراض من خصوم السعودية المباشرين فقط. فقد عدّت وسائل إعلام الدعم المصري للسعودية استفزازاً لإيران، وجاءت تصريحات وزير الخارجية الإيراني ردّاً على احتمال مشاركة مصر عسكرياً في دعم المملكة. وبعث الحوثيون برسالة إلى البرلمان المصري يحذّرون فيها من خطر جسيم على الأمن القومي المصري. أما إسرائيل، فليست بحاجة إلى بيان لتُعرف وجهتها. فهي تنظر منذ عقود بريبة إلى أي ترجمة عملية للتضامن العربي، وتراه مقدمة لصعود قوة إقليمية لا تستطيع احتواءها. ومن هنا السؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي يجمع طهران وتل أبيب على قلق واحد من القاهرة؟
الجواب يبدأ من التاريخ. فالعلاقة بين إيران وإسرائيل ليست قصة عداء خالص كما تُروى في الخطاب الرسمي للطرفين. في عهد الشاه كانت طهران من أوائل دول المنطقة التي تعاملت مع إسرائيل واقعياً، وربطتهما «عقيدة الأطراف» التي سعت بها تل أبيب إلى بناء علاقات مع القوى غير العربية المحيطة بالعالم العربي لتطويقه. وحتى بعد الثورة عام 1979، لم يمنع الخطاب الناري تدفق السلاح الإسرائيلي إلى إيران خلال حربها مع العراق، في صفقات انكشفت لاحقاً في فضيحة «إيران كونترا». فالعداء المعلن كان في الغالب أعلى صوتاً من العداء الفعلي، وكان الطرفان يلتقيان كلما كان المستهدف عربياً.
والحاضر يكمل الصورة. فكل من الطرفين يتمدد في عمق الجغرافيا العربية. إسرائيل تحتل الجولان والأراضي الفلسطينية، وقد عادت إلى جنوب لبنان في هذه الحرب. وإيران بنت نفوذها عبر ميليشيات وتنظيمات في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ولا تزال جزرها المحتلة في الإمارات قضية عالقة منذ عام 1971. ولا يختلف الأمر في الجوهر، فالطرفان يستثمران في تفتيت الدولة الوطنية العربية وإضعاف جيوشها النظامية لصالح كيانات موازية وتوازنات هشة، ويقدّم كل منهما نفسه حامياً لجزء من المنطقة بينما يقضم أجزاء أخرى.
وهنا تبرز مصر بوصفها العقدة التي لا تحلّها أي من الاستراتيجيتين. فهي أكبر دولة عربية سكاناً، وجيشها الأكثر عدداً وتنظيماً، وتحكم قناة السويس وبوابة سيناء، وتملك رصيداً سياسياً وثقافياً يتجاوز حدودها. والتقاء مصر مع السعودية، الأولى بثقلها العسكري والبشري والثانية بثقلها المالي والديني، هو بالضبط الصيغة التي يخشاها من يعوّل على تفرّق العرب. لقد جرّبت المنطقة مراراً كيف يتحول الخلاف المصري السعودي إلى فراغ تملؤه القوى الأخرى، وكيف تنتفع منه قوى الإقليم غير العربية.
وللإنصاف، فإن الصورة ليست أحادية. فقد أبدى الرئيس الإيراني استعداد بلاده للمشاركة في «تحالف مكة» الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، ووصفه بأنه خطوة نحو الوحدة الإسلامية. كما أن طهران تقول إنها عرضت وساطة بين الرياض والحوثيين ولم تتلقَّ رداً. لكن المسافة بين الخطاب والممارسة هي ما يحكم عليه القارئ، فالصواريخ والمسيّرات التي تسقط على أبها وجازان ونجران لا تحمل رسائل وحدة إسلامية.
والمفارقة الأكبر أن مصر في موقفها هذا لم تعلن حرباً على أحد. فقد قال الرئيس السيسي إن القاهرة لا تسعى إلى مهاجمة أي طرف، وإن ما يجري الحديث عنه إجراءات دفاعية إذا تعرض أمن السعودية للخطر، وشدد مجلس الدفاع الوطني على تكثيف الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد. ومن يرى في الدفاع عن دولة شقيقة تهديداً له، يكشف في الحقيقة عن طبيعة مشروعه لا عن طبيعة الموقف المصري.
هذه هي خلاصة الموقف. حين يتحرك العرب منفردين، لا يعترض عليهم أحد، وحين يتحركون معاً تتشابه فجأة لغة خصومهم المتناقضين. ولا يعني ذلك أن طهران وتل أبيب حليفتان، لكنهما تلتقيان عند نقطة واحدة هي أن قوة عربية متماسكة تُبطل حساباتهما معاً. ومصر، بما تمثله، هي أول من يدفع ثمن هذا الالتقاء وأول من يحمل مفتاح إبطاله.
الموقف المصري نفسه ليس محل إجماع داخلياً. فقد أرجأ البرلمان التصويت إلى 26 أكتوبر، وأعلنت الحركة المدنية رفضها، وحذّرت أحزاب ونواب من الانزلاق إلى حرب إقليمية ذات كلفة عسكرية واقتصادية. وترى طهران أن موقفها من اليمن يهدف إلى تجنب الانقسام بين الدول الإسلامية.
































































