
لم يعد خافيًا على أحد أن حزب الله، وقد تلقّى في المواجهة الأخيرة مع إسرائيل ضربات قاسية طالت قيادته وبنيته العسكرية وقدرته على الردع، قرّر أن ينقل ثقله من الحدود الجنوبية إلى الداخل اللبناني. فحين يعجز عن إثبات حضوره أمام عدوّه المعلن، يبحث عن ساحة أسهل ليقول فيها: «ما زلت هنا وما زلت قادرًا».
والمفارقة أن الحزب الذي قدّم نفسه عقودًا بوصفه «مقاومة» يبدو اليوم أكثر حرصًا على تطمين الجانب الإسرائيلي منه على طمأنة اللبنانيين. فبحسب ما يُتداول، يتمسّك بالوعد الذي أطلقه أمينه العام نعيم قاسم بعدم استهداف الشمال الإسرائيلي، ويمضي في الالتزام به. أما في الداخل فلغته مختلفة تمامًا: تهديد ووعيد وضغط في الشارع.
آخر فصول هذا السلوك التلويح بالتصعيد إن لم تُخلَ سبيل موقوفين يُتهمون بنقل مواد متفجرة وما يرتبط بها. والمشكلة هنا أبعد من ملف قضائي بعينه. فالحزب يتعامل مع القضاء كأنه جهاز تابع، يحقّ له أن يحاسبه ويمهله ويفرض عليه الإفراج عمّن يشاء. وهذا لا يختلف في جوهره عن منطق العصابات: «أطلقوا سراح رجالنا وإلا».
والتهديد لا يطال القضاء وحده، فقد طال الجيش اللبناني أيضًا، المؤسسة التي يُفترض أنها الضامن الأخير لوحدة البلاد. فحين يوحي حزب مسلّح بأن توقيف عناصره خط أحمر، فهو يعلن عمليًا أن سلطة الدولة تنتهي عند حدود سلاحه. وهذا هو جوهر المشكلة: ازدواجية السلاح تعني ازدواجية السلطة، وازدواجية السلطة تعني انتفاء الدولة.
أما الأجهزة الرسمية، فمواقفها لا تتجاوز في الغالب بيانات القلق والدعوة إلى التهدئة وتفضيل «عدم الاستفزاز». وهذا التقاعس هو ما يغري الحزب بالمضي أبعد. فمن يرى أن التهديد يؤتي ثماره يكرّره، ومن يتأكد أن لا كلفة لانتهاك القانون يعتاده. وكل تراجع للدولة أمام الترهيب يُحتسب نصرًا في دفتر الحزب ويُسجَّل سابقة يُبنى عليها لاحقًا.
وتاريخ الحزب الداخلي لا يشجّع على الاطمئنان. فهو من وجّه سلاحه إلى الداخل في السابع من أيار 2008، وهو من عطّل الحياة السياسية مرارًا بالتعطيل والمقاطعة، وكان مسار التحقيق في ملف المرفأ ومحاولات تعطيله، ومعها أحداث الطيونة، من أبرز محطات الضغط على القضاء. وفي ملف اغتيال رفيق الحريري، أدانت المحكمة الخاصة بلبنان سليم عياش، وهو عضو في الحزب، في حكم غيابي صدر عام 2020، فيما رفض الحزب تسليمه ورفض الاعتراف بالمحكمة. أما اغتيال الناشط لقمان سليم عام 2021 فلا يزال بلا نتيجة قضائية حاسمة، وقد اتهمته عائلة الضحية سياسيًا بالمسؤولية، وهو ينفي ذلك. وفي كل مرة تتكرّر النتيجة نفسها: الحقيقة معلّقة والدولة عاجزة.
من هنا تأتي المخاوف المشروعة من أن يتّجه الحزب في مرحلة ضعفه إلى إسكات الأصوات المعارضة له، من سياسيين وإعلاميين وناشطين ورجال دين. فالتنظيمات التي تشعر بالحصار كثيرًا ما تعوّض عن ضعفها الخارجي بتشدّدها الداخلي. ولا يحتاج الأمر إلى اتهام أحد بنوايا محدّدة، فمجرد غياب الردع القضائي والأمني يترك أبواب الخطر مفتوحة، ويجعل المعارضين يفكّرون مرتين قبل أن يقولوا ما يعتقدون.
وكلفة هذا السلوك على لبنان باهظة. فالاقتصاد المنهار لا يتعافى مع شبح الفوضى، والمستثمر لا يأتي إلى بلد لا يعرف فيه من يحكم، والمجتمع الدولي لن يموّل إعادة الإعمار ما دامت القرارات الكبرى رهينة السلاح. وكل أزمة مفتعلة جديدة تعني أن اللبنانيين، في أغلبهم الساحق من غير مناصري الحزب، هم من يدفع الثمن.
والأخطر أن الحزب يحاول إعادة تعريف دوره: لم يعد حامي الحدود، بل صار «ضابط إيقاع» الداخل. يقرّر من يُحاسَب ومن يُحمى، ومتى تُفتح ملفات ومتى تُغلق. وهذا لا يمكن أن يُسمّى مقاومة، فهو وصاية.
ولا بد من القول إن المسؤولية لا تقع على الحزب وحده. فالدولة التي لا تفرض هيبتها تشجّع من يتجاوزها. والمطلوب اليوم ليس مواجهة عسكرية، بل ما هو أبسط: تطبيق القانون على الجميع، وحماية القضاة والضباط من الضغط والتهديد، وحصر السلاح بيد الشرعية كما نصّ عليه اتفاق الطائف وتعهّدات الحكومة. كما أن على القوى السياسية أن تقف خلف مؤسساتها لا خلف حساباتها الضيّقة.
إن اللحظة الحالية فرصة نادرة. فحزب أضعفته الحرب لم يعد قادرًا على فرض شروطه كما في السابق، ودولة تتحلّى بالجرأة يمكنها أن تستعيد مبادرتها. أما الاستمرار في سياسة الصمت وامتصاص التهديد فلن يؤدي إلا إلى مزيد من التجرّؤ. والتاريخ اللبناني القريب يعلّمنا أن الدولة التي تتنازل مرة تُطالَب بالتنازل دائمًا.
يبقى السؤال المطروح على كل مسؤول: هل نحن دولة ذات سيادة أم مجرد إدارة تصريف أعمال تحت رحمة من يملك السلاح؟ والجواب لن يأتي من البيانات، بل من القرارات.
































































