منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، سعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى ترسيخ حضورها الإقليمي عبر شبكة من العلاقات السياسية والعسكرية والأيديولوجية امتدت إلى عدد من دول الشرق الأوسط. ويُعد لبنان من أبرز الساحات التي تجلى فيها هذا النفوذ، سواء من خلال التحالفات السياسية أو عبر دعم قوى محلية تمتلك حضوراً عسكرياً وشعبياً مؤثراً.
وقد أثار هذا الدور الإيراني انقساماً واسعاً داخل لبنان والعالم العربي بين من يعتبره دعماً لمحور المقاومة في مواجهة التهديدات الخارجية، ومن يراه تدخلاً مباشراً في الشؤون الداخلية للدول العربية وتقويضاً لسيادتها ومؤسساتها الوطنية.
أولاً: لبنان ساحة نفوذ إقليمي مفتوحة
يعتبر العديد من المحللين أن لبنان تحول خلال العقود الماضية إلى إحدى أهم ساحات النفوذ الإيراني في المنطقة. فبفعل التوازنات الداخلية المعقدة، والطبيعة الطائفية للنظام السياسي، والأزمات المتكررة التي عصفت بالبلاد، وجدت طهران فرصة لتعزيز حضورها عبر حلفائها المحليين.
ويرى منتقدو هذا النفوذ أن لبنان دفع ثمناً باهظاً نتيجة تحوله إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، حيث باتت قرارات أساسية مرتبطة بالحرب والسلم والعلاقات الخارجية محل جدل دائم بين الدولة اللبنانية والقوى المرتبطة بالمشروع الإيراني.
ثانياً: التوتر مع رئاسة الجمهورية ومؤسسات الدولة
في كل مرة تتبنى الرئاسة اللبنانية أو الحكومة مواقف تؤكد على حصرية السلاح بيد الدولة أو على استقلال القرار الوطني، تتصاعد السجالات السياسية والإعلامية بين أطراف لبنانية موالية لإيران وبين مؤسسات الدولة.
ويعتبر مؤيدو الدولة أن أي محاولة للضغط السياسي أو الإعلامي على رئيس الجمهورية أو المؤسسات الدستورية تمثل مساساً بالسيادة الوطنية، لأن الشرعية السياسية في لبنان تستمد من الدستور والمؤسسات المنتخبة لا من موازين القوى الإقليمية.
كما يرون أن استهداف الرموز الدستورية اللبنانية يضعف صورة الدولة ويعزز الانقسام الداخلي في مرحلة يحتاج فيها لبنان إلى أكبر قدر ممكن من الوحدة الوطنية.
ثالثاً: انعكاسات السياسات الإيرانية على الداخل الإيراني
رغم الإنفاق الكبير الذي تخصصه إيران لتعزيز نفوذها الإقليمي، تواجه البلاد تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة. وقد شهدت المدن الإيرانية خلال السنوات الماضية احتجاجات متكررة رفعت شعارات تتعلق بالأوضاع المعيشية والبطالة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية.
ويرى منتقدو النظام الإيراني أن جزءاً من هذه الأزمات يرتبط بتوجيه موارد مالية وسياسية نحو ملفات خارجية على حساب الأولويات الداخلية. كما يعتبرون أن العقوبات الدولية والتوترات المستمرة مع المجتمع الدولي ساهمت في زيادة الضغوط على الاقتصاد الإيراني وعلى المواطن الإيراني العادي.
رابعاً: النفوذ الإيراني في العراق وانعكاساته
يُعد العراق من أكثر الدول العربية تأثراً بالنفوذ الإيراني بعد عام 2003. فبحكم الجغرافيا والتاريخ والروابط السياسية، تمكنت طهران من بناء شبكة واسعة من العلاقات داخل المشهد العراقي.
ويذهب منتقدو هذا النفوذ إلى القول إن إيران استفادت اقتصادياً وسياسياً من ضعف الدولة العراقية ومن حالة الانقسام الداخلي، وأن نفوذها المتزايد ساهم في إعاقة بناء دولة عراقية قوية ومستقلة القرار.
كما يتهم بعض الساسة العراقيين طهران بالسعي إلى توجيه الحياة السياسية العراقية بما ينسجم مع مصالحها الإقليمية، وهو ما أدى إلى توترات مستمرة داخل المجتمع العراقي.
خامساً: حزب الله ودوره في المعادلة اللبنانية
يشكل حزب الله المحور الأساسي للنقاش حول النفوذ الإيراني في لبنان. فالحزب يمتلك حضوراً سياسياً وعسكرياً وشعبياً واسعاً، ويُنظر إليه من قبل خصومه باعتباره الأداة الرئيسية التي تُمكّن إيران من التأثير في القرار اللبناني.
ويرى منتقدو الحزب أن استمرار وجود قوة عسكرية خارج إطار الدولة يحد من قدرة المؤسسات الرسمية على ممارسة كامل صلاحياتها السيادية، ويخلق ازدواجية في مراكز القرار، خصوصاً في الملفات الأمنية والاستراتيجية.
كما يعتبر هؤلاء أن انخراط الحزب في صراعات إقليمية خارج الحدود اللبنانية ساهم في تعريض لبنان لتداعيات سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة، وأدى إلى توتر علاقاته مع عدد من الدول العربية.
سادساً: التحالفات السياسية المحلية وتأثيرها
لم يقتصر النفوذ الإيراني في لبنان على جهة واحدة، بل امتد عبر شبكة من التحالفات السياسية والإعلامية التي وفرت غطاءً سياسياً لمشروعه الإقليمي.
ويعتقد معارضو هذا النهج أن بعض القوى اللبنانية، من مختلف الطوائف والانتماءات السياسية، قدمت مصالح المحاور الخارجية على حساب المصلحة الوطنية، الأمر الذي ساهم في تعميق الانقسامات وإضعاف الثقة بين اللبنانيين.
ويرون أن استمرار هذه الاصطفافات الخارجية يحول دون بناء مشروع وطني جامع قادر على إخراج لبنان من أزماته المتراكمة.
سابعاً: الأزمة الاقتصادية وتآكل مؤسسات الدولة
شهد لبنان واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، حيث انهارت العملة الوطنية وتراجعت الخدمات العامة وازدادت معدلات الفقر والهجرة.
ويربط عدد من المحللين بين هذه الأزمة وبين حالة الشلل السياسي المزمنة التي تعيشها البلاد، والتي ترتبط جزئياً بالصراع حول هوية لبنان ودوره الإقليمي وموقعه بين المحاور المتنافسة.
كما يرى هؤلاء أن هيمنة الحسابات الإقليمية على القرار الداخلي ساهمت في تعطيل الإصلاحات المطلوبة وفي إضعاف ثقة المجتمع الدولي بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ برامج الإنقاذ.
ثامناً: الحاجة إلى استعادة الدولة
في مواجهة هذه التحديات، يطرح كثير من اللبنانيين مشروعاً يقوم على إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة لجميع اللبنانيين.
ويستند هذا المشروع إلى مبادئ أساسية أبرزها:
حصرية السلاح بيد الدولة.
احترام الدستور والمؤسسات الشرعية.
تحييد لبنان عن صراعات المحاور الإقليمية.
تعزيز العلاقات العربية والدولية المتوازنة.
إطلاق إصلاحات اقتصادية وإدارية شاملة.
مكافحة الفساد وترسيخ مبدأ المساءلة.
خاتمة
يبقى الجدل حول الدور الإيراني في لبنان من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في الشرق الأوسط. وبين من يعتبر هذا الدور دعماً لحلفاء سياسيين ومشروعاً للمقاومة، ومن يراه تدخلاً يقوض سيادة الدولة اللبنانية ويضعف مؤسساتها، تبقى الحقيقة الأساسية أن مستقبل لبنان يتوقف على قدرته في بناء دولة قوية وعادلة وذات قرار مستقل.
إن حماية لبنان واستقراره تتطلب تعزيز المؤسسات الشرعية وترسيخ مفهوم المواطنة، بحيث يكون الانتماء للدولة فوق أي انتماء آخر، وتكون المصلحة الوطنية هي المعيار الأول في رسم السياسات والخيارات الكبرى.



































































