في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 انهار نظام الديكتاتور بشار الأسد في سورية، لتنتهي مرحلة كاملة كانت البلاد خلالها ساحة نفوذ مفتوحة لإيران وأذرعها المسلحة، وتبدأ مرحلة انتقالية أفضت إلى طرد الوجود الميليشيوي الإيراني وفتح ملف بالغ الحساسية حول مصير الشبكات الإجرامية والإرهابية التي تمدّدت تحت غطاء الحرب والفوضى وانهيار الدولة.
غير أنّ الصدمة الاستراتيجية التي تلقّاها حزب الله نتيجة خسارته عمقه الأسدي لم تُترجم انسحابًا أو تراجعًا، بل كشفت عن حقيقة أكثر خطورة: تنظيم لا يقوم نفوذه على الجغرافيا وحدها، بل على منطق عابر للحدود بُني خلال سنوات الصراع، يجمع بين اقتصادٍ موازٍ، وتمويلٍ ظلّي، وشبكات تهريب وتبييض أموال، وواجهات تجارية وأمنية، إضافة إلى أدوار عسكرية واستخبارية تتنقّل حيث تتوافر الفوضى والفراغ المؤسسي وضعف الرقابة.
هذه ليست مقالة خلاف سياسي مع حزب لبناني، بل توصيف قانوني– صحافي موثّق لسلوك تنظيمي مُصنَّف على لوائح الإرهاب الدولية والعربية، ويُلاحَق دوليًا بوصفه جزءًا من منظومات تمويل غير مشروع، وعنف مسلح، وإرهاب عابر للقارات. توصيف يستند إلى وقائع منشورة، وإجراءات عقابية، وقرارات أممية، واتفاقيات دولية نافذة، لا إلى شعارات أو مواقف أيديولوجية.
.
أولًا: سورية بعد الأسد… من “ساحة مفتوحة” إلى “خلايا ما بعد الانكشاف”
لسنوات طويلة شكّلت سورية بالنسبة لحزب الله ممرًا لوجستيًا وعمقًا عملياتيًا على تماس مباشر مع الجغرافيا اللبنانية، كما مثّلت حلقة مركزية في سلسلة الإمداد العابرة للحدود التي تربط – وفق توصيفات متداولة في تقارير أمنية وإعلامية – بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت، بما يشمل نقل خبرات وتسليح وتجنيد وتثبيت نفوذ تحت غطاء الحرب والانهيار المؤسسي.
ومع انهيار حقبة حكم عائلة الأسد ودخول سورية مرحلة انتقالية، تزايدت مؤشرات على أن الشبكات التي تمدّدت في زمن الحرب لا تختفي دفعة واحدة، بل تُعيد التموضع عبر أنماط عمل سرّية: خلايا صغيرة، مخازن، منصات إطلاق، تهريب، وتدوير للواجهات… يتبعها – غالبًا – إنكار وتضليل ومحاولات لاستثمار الانقسام المجتمعي والتحريض الطائفي لخفض كلفة الانكشاف.
وفي هذا السياق، برزت خلال أيلول/سبتمبر 2025 تقارير سورية محلية تحدثت عن توقيف خلية قرب دمشق وضبط صواريخ وعتاد، مع نفي حزب الله لأي صلة بها.
ثم جاءت واقعة أحدث وأكثر حساسية أواخر يناير/مطلع فبراير 2026، إذ أعلنت وزارة الداخلية السورية تفكيك “خلية” واعتقال أفرادها بعد هجمات صاروخية استهدفت منطقة المزة ومطار المزة العسكري في دمشق، وقالت السلطات إن الأسلحة/المسيّرات مرتبطة بمصدر لبناني ونسبتها إلى حزب الله، بينما ردّ الحزب ببيان نفي.
وبغضّ النظر عن المآلات القضائية النهائية لهذه الملفات، فإن نمط “الخلايا بعد الانكشاف” يحمل دلالة قانونية واضحة: استخدام صواريخ/متفجرات/طائرات مسيّرة ضد أحياء مأهولة أو مرافق عسكرية داخل مدينة يندرج، وفق المعايير الدولية المتعارف عليها في مكافحة الإرهاب، ضمن العنف المنظّم الذي يستهدف بث الرعب والإخلال بالأمن العام، ويمتلك – إذا ارتبط بشبكات تمويل وتهريب – خصائص الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
خلاصة هذا المحور: ما بعد سقوط الغطاء السياسي في سورية لا يعني انتهاء الشبكات، بل انتقالها إلى بنية “أقل حجمًا وأكثر سرية”، مع بقاء المنطق نفسه: عنف + تمويل + تهريب + إنكار… وهي العناصر التي تجعل الملف قابلًا للوصف باعتباره تهديدًا منظّمًا يتجاوز الحدود لا مجرد امتدادٍ لصراع محلي.
.
ثانيًا: لبنان… “اقتصاد ظلّ” يسبق البندقية ويمنحها حصانة الدولة
التحوّل الأخطر في بنية حزب الله داخل لبنان لا يقتصر على احتفاظه بالسلاح خارج إطار الدولة، بل يتمثّل في بناء منظومة موازية تُمسك بالقرار عبر الاقتصاد والمال والإدارة والنفوذ الأمني، بما يسمح للتنظيم بالعمل تحت سقف الدولة ومن خلال ثغراتها، لا في مواجهتها المباشرة.
فعلى المستوى المالي، رسّخ الحزب خلال السنوات الماضية اقتصاد ظلّ متكامل الأركان—مصارف غير نظامية، جمعيات، شبكات صرافة، واجهات تجارية، وأنشطة عبر الحدود—يؤمّن له التمويل والاستمرارية، ويخفّف أثر العقوبات والحصار وتقلّبات الإقليم. هذا الاقتصاد لا يعمل في الفراغ، بل يستفيد من هشاشة الرقابة الرسمية وتداخل السلطات، ما يحوّله إلى رافعة نفوذ سياسي–أمني بقدر ما هو مورد مالي.
في هذا السياق، أعلنت الولايات المتحدة عبر وزارة الخزانة (OFAC) في 3 تموز/يوليو 2025 فرض عقوبات على سبعة مسؤولين كبار وكيان مرتبطين بمؤسسة “القرض الحسن” الخاضعة لسيطرة حزب الله، باعتبارها جزءًا من منظومة التفاف مالي منظّم.
كما أفادت رويترز في 28 آذار/مارس 2025 بعقوبات أميركية جديدة استهدفت “فريق التمويل” لدى الحزب وشبكات مرتبطة بمشاريع تجارية وتهريب نفط تموّل أنشطته، قبل أن تُستكمل هذه الإجراءات بحزمة إضافية في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 طالت جهات وأفرادًا وُصِفوا بأنهم يستغلون قنوات اقتصادية ومالية مرتبطة بالحزب.
لكن البعد المالي لا ينفصل عن الغطاء المؤسسي. إذ تُظهر الوقائع المتراكمة أن حزب الله عمل—على مدى سنوات—على زرع شبكة نفوذ وتحالفات داخل مؤسسات الدولة، المدنية والعسكرية والأمنية، بما يضمن له:
هذا الإمساك لا يُمارَس بالضرورة عبر أوامر مباشرة، بل من خلال تراكم النفوذ، وتبادل المصالح، وسياسة الأمر الواقع، ما يُنتج عمليًا حصانة وظيفية تتحقّق داخل الدولة ومن خلال بعض أجهزتها، لا خارجها. وهنا تتبدّى الإشكالية القانونية: دولة ذات سيادة اسمًا، لكنّها عمليًا مُخترَقة بمنظومة غير رسمية تمتلك القدرة على التعطيل والحماية والتجاوز.
من منظور القانون الدولي، يضع هذا الواقع لبنان أمام إخلال جوهري بالالتزامات الناشئة عن قرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرار 1373 (2001)، الذي يُلزم الدول بمنع توفير أي ملاذ أو دعم—مادي أو مؤسسي—للأعمال الإرهابية، وبضمان أن لا تتحوّل مؤسساتها إلى غطاء أو قناة تسهيل.
كما يتقاطع هذا الوضع مع أحكام اتفاقية باليرمو (2000) حين يتداخل العنف المسلح مع غسل الأموال والتهريب ضمن بنية منظّمة تستفيد من ضعف الرقابة.
.
مسؤولية الدولة عند الاختراق: المعيار الدولي والإخلال بالواجب
من منظور القانون الدولي العام، لا تُقاس مسؤولية الدولة فقط بما تُعلنه من مواقف أو ما تُقرّه من نصوص، بل بما تمارسه فعليًا من سيطرة وسلطان فعّال على أراضيها ومؤسساتها. وعندما تسمح دولة—عجزًا أو تواطؤًا أو خضوعًا لواقع الأمر—بأن تعمل داخلها جماعة مسلّحة منظّمة خارج إطار الشرعية، مع توفير حماية مباشرة أو غير مباشرة لتحركاتها وتمويلها، فإنها تدخل في نطاق الإخلال بالالتزامات الدولية.
يُقرّ قرار مجلس الأمن رقم 1373 (2001) التزامًا واضحًا على عاتق الدول يتمثّل في منع أي شكل من أشكال الدعم أو التسهيل أو الحماية للأعمال الإرهابية، بما في ذلك الامتناع عن توفير الملاذ الآمن، وضمان ألا تُستغل المؤسسات الرسمية—العسكرية أو الأمنية أو المالية—كقنوات عبور أو تغطية. وعليه، فإن التقاعس المنهجي عن ضبط حركة جماعة مسلّحة، أو غضّ الطرف عن اقتصادها الموازي، أو السماح لها بالعمل بسرّية تحت مظلة الدولة، يُعدّ إخلالًا إيجابيًا بالواجب الدولي، لا مجرد ضعف إداري.
كما تُحيل الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب (1999) إلى مسؤولية الدول في تجريم ومنع أي نشاط مالي يُسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في دعم العنف المسلح الموجّه ضد المدنيين أو السلم العام. وفي هذا الإطار، لا يقتصر التجريم على الفاعل المباشر، بل يمتدّ إلى كل بنية تسهيل تسمح بجمع الأموال أو نقلها أو تدويرها أو حمايتها من الرقابة، بما في ذلك استخدام جمعيات أو مؤسسات “اجتماعية” أو مالية كواجهات.
أما اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (باليرمو – 2000)، فتُوسّع دائرة المسؤولية حين يتقاطع العنف المسلح مع غسل الأموال، والتهريب، واستغلال النفوذ داخل مؤسسات الدولة. إذ تُعدّ المشاركة أو المساهمة أو التسهيل—حتى من دون انخراط مباشر في الفعل العنيف— جزءًا من الجريمة المنظمة متى ثبت وجود هيكل تنظيمي، واستمرارية، وهدف ربحي أو نفعي.
وبتطبيق هذه المعايير على الحالة اللبنانية، يبرز إشكال قانوني مركزي: دولة تُقرّ رسميًا باحتكار السلاح، لكنها عمليًا تفقد القدرة أو الإرادة على فرض هذا الاحتكار؛ وتلتزم دوليًا بمكافحة تمويل الإرهاب، لكنها تشهد اقتصاد ظلّ يعمل علنًا؛ وتملك أجهزة أمنية رسمية، لكنّها تعمل في بيئة اختراق سياسي وأمني يمنح جماعة مسلّحة حصانة واقعية. هذا الواقع لا يضع المسؤولية على الدولة ككيان فقط، بل يفتح الباب —وفق القانون الدولي— لمساءلة المسؤولين والكيانات والأفراد الذين يثبت تورّطهم في التسهيل أو الحماية أو الامتناع المتعمّد عن إنفاذ القانون.
الخلاصة القانونية: حين تتحوّل الدولة من حاجز أمام الإرهاب إلى بيئة نافذة له —ولو بالصمت أو العجز— فإنها لا تبقى خارج دائرة المساءلة. فالقانون الدولي لا يعترف بحيادٍ زائف أمام الإرهاب المنظّم، ولا يقبل بحجّة “الخصوصية الداخلية” عندما يتعلّق الأمر بتهديد عابر للحدود يمسّ السلم والأمن الدوليين.
.
ثالثًا: اليمن والعراق… شراكات قتالية تحت المظلّة الإيرانية وخبرات تتنقّل حيث تتوافر الحرب
في اليمن، لم يعد الحديث عن “مستشارين” أو “خبرات” مسألة توصيف إعلامي، بل أصبح نمطًا عملياتيًا متكرّرًا في تقارير أممية وإقليمية يربط بين نقل المعرفة القتالية وتطوير القدرات لدى الحوثيين، بما يشمل مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب غير المتناظرة وإدارة ساحات القتال. هذا النمط لا يقوم على تبادل عابر للخبرة، بل على شراكة وظيفية تُدار ضمن منظومة دعم إيرانية واحدة، يكون فيها حزب الله حلقة تدريب وإسناد وتنفيذ بحكم خبرته المتراكمة وقدرته على العمل خارج الجغرافيا اللبنانية.
تُظهر وثائق فريق الخبراء المعني باليمن (ضمن منظومة مجلس الأمن) اتساع نطاق التدريب وبناء القدرات لدى الحوثيين وتحويل بيئة الحرب إلى سوق خبرات مغلق، حيث تنتقل التقنيات والتكتيكات من مسرح إلى آخر بسرعة عالية. وفي الإعلام الإقليمي، نُشرت تقارير تتحدّث عن أدوار تدريبية وإشرافية منسوبة لقيادات مرتبطة بحزب الله في سياق صراع متداخل، بما يعكس تقاسم أدوار: إيران توفّر الإطار الاستراتيجي والتمويل والتسليح، وحزب الله يقدّم الخبرة التطبيقية ونقل المعرفة الميدانية.
أما في العراق، فيتجلّى التكامل نفسه ضمن مشهد أكثر تعقيدًا سياسيًا. فالعلاقة بين حزب الله والأذرع الإيرانية هناك لا تُختزل بالدعم المعنوي، بل تتّخذ شكل تناغم عملياتي في التدريب والإسناد وتبادل الخبرات، ضمن شبكة تعمل تحت قيادة وتوجيه الحرس الثوري/فيلق القدس. ويزداد هذا الواقع وضوحًا حين تتحوّل الساحات العراقية إلى محطات عبور للخبرات والقدرات بين إيران وسورية ولبنان واليمن، بما في ذلك نقل تقنيات وتكتيكات واستخدام واجهات محلية لتخفيف كلفة الانكشاف.
الدلالة الأبرز هنا أنّ التذبذب السياسي داخل الدولة العراقية—حيث تُطرح قرارات تصنيف أو تجميد أصول ثم تُسحب تحت ضغط الصراع الداخلي—لا يُعدّ تفصيلة بيروقراطية، بل شرطًا مُغذّيًا لاستمرار الشبكات العابرة للحدود. فهذه الشبكات لا تزدهر بقوة الدولة، بل بضعفها وتناقضاتها، وتستثمر المساحات الرمادية بين القرار السيادي والواقع الميداني.
.
توصيف قانوني: من “دعم حليف” إلى “إرهاب منظّم عابر للحدود”
قانونيًا، فإن نقل الخبرات القتالية، والتدريب، والإسناد اللوجستي، وتوفير التسليح أو المعرفة التقنية لجماعات مسلّحة خارج إطار الدولة، يندرج ضمن الدعم المادي للإرهاب متى ارتبط بأفعال تستهدف المدنيين أو السلم العام أو تسعى لإكراه حكومات. ويتعزّز هذا الوصف عندما يجري الدعم ضمن بنية مستمرة ذات قيادة وموارد وتمويل، ما يضعه في خانة الإرهاب المنظّم المتقاطع مع الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
خلاصة هذا المحور: في اليمن والعراق، لا يعمل حزب الله كفاعل مستقل، بل كجزء من منظومة إقليمية واحدة تُدار إيرانيًا، تتقاسم الأدوار بين التخطيط والتمويل والتدريب والتنفيذ. إنها شراكات قتال لا تعترف بالحدود، وتتحرّك حيث تتوافر الحرب، وتستفيد من هشاشة الدول وتناقضاتها—وهو ما يجعلها، وفق المعايير الدولية، تهديدًا منظّمًا عابرًا للسيادة والجغرافيا.
.
رابعًا: أميركا اللاتينية… حيث المال أسهل من السلاح، وحيث تتحوّل الشبكات إلى “اقتصاد عمليات”
في أميركا اللاتينية يبرز حزب الله—وفق ما تخلص إليه دراسات بحثية وتقارير حكومية—كقصة تمويل وتهريب وبنى مالية غير رسمية أكثر من كونه “جبهة قتال” تقليدية. فهنا لا يحتاج التنظيم إلى استعراض عسكري؛ يكفيه أن يبني أذرعًا مالية ولوجستية داخل بيئات رخوة الحدود وضعيفة الرقابة، وأن يختلط بالاقتصاد غير الرسمي عبر واجهات تجارية، صرافة، تهريب سلع، تبييض أموال، وتهرّب من العقوبات.
ويشير تقرير مركز RAND الأمريكي في (مارس/آذار 2025) إلى أن “المنطقة الثلاثية الحدود” (الأرجنتين–الباراغواي–البرازيل) شكّلت تاريخيًا مساحة مواتية لتهريب وتبييض وتزوير وثائق وتهريب سلع، مع استمرار تداول الحديث عن شبكات مرتبطة بالحزب ضمن سياق أوسع للجريمة المنظمة.
وتُعزّز الولايات المتحدة هذا المسار عمليًا عبر برنامج “مكافآت من أجل العدالة”، إذ أعلنت في 19 مايو/أيار 2025 عن مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تعطل شبكات حزب الله المالية في منطقة المثلث الحدودي—وهو اعتراف ضمني بأن جوهر التهديد هناك مالي–تشغيلي قبل أن يكون عسكريًا.
.
فنزويلا وكولومبيا: “ذهب غير مشروع + كريبتو + واجهات”
أما فنزويلا فتظهر—في الأدبيات البحثية—بوصفها بيئة “مُرخّصة” لعمل الظل، حيث يتقاطع الاقتصاد غير الرسمي مع الذهب والتهريب وتدوير الأموال، وتتحول الدولة الضعيفة أو المُسيَّسة إلى مظلة تسهّل الحركة بدل أن تضبطها.
وفي سبتمبر/أيلول 2023 أعلنت الخزانة الأميركية فرض عقوبات على شبكة تربط لبنان بأميركا الجنوبية، وذكرت ضمن البيان/التغطيات أن بعض القنوات تم تشغيلها عبر أعمال تجارية في كولومبيا وتحويل عائدات لصالح حزب الله، مع الإشارة إلى امتدادات مرتبطة بفنزويلا واستخدام خدمات/استشارات في مجال العملات الرقمية ضمن منظومة التدوير المالي—وهي صورة نموذجية لاقتصاد “الواجهات” الذي يعمل بعيدًا عن النظام المصرفي التقليدي.
.
نيكاراغوا وأمريكا الوسطى: بيئات حليفة تُسهِّل “الحضور الناعم”
بالنسبة إلى نيكاراغوا ، تَرد في بعض الشهادات والملفات السياسية/الأمنية الغربية بوصفها ضمن قائمة دول تشهد نشاطًا أو اهتمامًا إيرانيًا/مواليًا لإيران في الإقليم، مع تحذيرات من استغلال العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية لتوفير شروط تسهّل حركة الشبكات أو تغطيتها—حتى لو كان الجزء الأكبر من الأدلة العلنية التفصيلية يظلّ أقل كثافة من ملفات المثلث الحدودي وفنزويلا.
.
“الشتات” كرافعة: استغلال الروابط الطائفية والروابط العائلية دون تجريم جماعي
والأخطر هنا ليس وجود جاليات مهاجرة بحد ذاته—فهذه ليست إدانة لمجتمع مهاجر—بل قابلية بعض الشبكات لاستغلال الروابط الاجتماعية/العائلية في بناء وسطاء ماليين، وسماسرة تجارة، وواجهات، ومنظومات حوالة، بما يتيح تدوير الأموال وتوفير الخدمات اللوجستية تحت غطاء شرعي ظاهري. وهذا النمط تذكره الأدبيات البحثية عند مناقشة “النموذج الهجين” الذي يجمع بين العمل السياسي/الأيديولوجي وعمليات التمويل غير المشروع.
.
تقاطع المصالح مع العصابات والكارتيلات: “تلاقي المنفعة” لا “تحالف معلن”
وفي ما يتصل بالحديث عن العصابات والكارتيلات، الأكثر صرامة قانونيًا أن نقول: إن عدداً من الدراسات والتقارير تناقش تقاطعات مصالح بين شبكات تمويل مرتبطة بجماعات مصنّفة إرهابيًا وبين اقتصاد المخدرات/التهريب في أميركا اللاتينية، حيث تلتقي الحاجة إلى غسل الأموال وتهريب السلع والذهب والكوكايين مع الحاجة إلى شبكات نقل وتزوير ووكلاء محليين.
وهذا “التلاقي” قد يأخذ شكل خدمة مقابل عمولة أو ضريبة مرور أو “حماية” أو استخدام آليات مثل “Black Market Peso Exchange”، بحسب ما يُنقل في بعض المواد التحليلية.
.
المكسيك: مسارات غسل الأموال الإقليمية لا تتوقف عند حدود دولة
أما المكسيك، فحضورها هنا يرتبط أساسًا بطبيعة الإقليم ككل: فهي عقدة مركزية في اقتصاد الكارتيلات ومسارات غسل الأموال التي تتزايد فيها أدوات مثل العملات الرقمية—وهو ما يجعلها جزءًا من البيئة المالية الإقليمية التي يمكن أن تتقاطع معها شبكات غسل الأموال العابرة للحدود، حتى عندما تكون “الخلايا” الأساسية متمركزة في مناطق أخرى كالمثلث الحدودي أو فنزويلا. (هنا نربطها بالمنطق الإقليمي لغسل الأموال لا بادعاء ثابت عن “هيكل حزبي” مكشوف داخل المكسيك).
الخلاصة: في أميركا اللاتينية لا يتحرك حزب الله —بحسب ما تشير إليه هذه المراجع— كقوة عسكرية ظاهرة، بل كمنظومة مال/تهريب/واجهات تستفيد من رخاوة الحدود ومن اقتصاد الجريمة المنظمة، وتجد في بعض البيئات السياسية والاقتصادية مساحات مريحة للعمل “الناعم”. هذا ما يجعل التهديد هنا شبكيًا: صعب الإمساك به بعملية أمنية واحدة، وأسهل تفكيكًا عبر تتبع المال، والواجهات، وسلاسل الإمداد، وجرائم غسل الأموال.
.
خامسًا: أفريقيا… تحويل الاغتراب إلى قناة تمويل
في غرب أفريقيا وأجزاء أخرى من القارة، تتناول تحقيقات صحفية وأوراق بحثية متخصصة مسألة توظيف شبكات التجارة والاغتراب في بناء اقتصادٍ موازٍ يتقاطع مع غسل الأموال والتهريب (ألماس، ذهب، أخشاب، وسلع عالية القيمة)، مع صعوبة تقدير الحجم الحقيقي للنشاط بسبب طابعه غير الشفاف واعتماده على واجهات تجارية وآليات تحويل غير نظامية.
ويَرِد ذكر هذا النمط، بدرجات متفاوتة، في دول مثل ساحل العاج، غينيا، سيراليون، السنغال، غامبيا، بنين، إضافة إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تُستغل قطاعات الموارد الطبيعية والأسواق غير الرسمية كقنوات محتملة لتدوير العائدات.
وتُشير مراكز بحثية وتقارير دولية إلى أن هشاشة أطر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في أجزاء من أفريقيا —سواء لقصور تشريعي أو ضعف إنفاذ أو اتساع الاقتصاد غير الرسمي —تُسهِّل تحويل بعض هذه الأسواق إلى نقاط إسناد مالي تُغذّي شبكات عابرة للحدود. ويقوم هذا النموذج على شركات واجهة، وسطاء محليين، تضخيم/تخفيض فواتير، سلاسل توريد متعرّجة، واعتماد مكثّف على النقد، بما يصعّب التتبع ويمنح الشبكات قدرة على “الاندماج” داخل السوق بدل الظهور ككيانات منفصلة.
الخلاصة: في أفريقيا، يبرز النشاط المرتبط بحزب الله —وفق هذه المقاربات— كمنظومة تمويل وإسناد مالي تستثمر في اقتصاد الظلّ وشبكات التجارة والاغتراب، ما يجعل المواجهة الفعّالة مرهونة بتجفيف القنوات المالية وتعزيز إنفاذ أطر مكافحة غسل الأموال، لا بملاحقة مظاهر عسكرية قد تكون محدودة أو غير ظاهرة.
.
الإطار القانوني الدولي: لماذا لا تُعدّ هذه “مقاومة” في نظر القانون؟
القانون الدولي لا يعترف بالمسميات ولا يلتفت إلى الشعارات، بل يحاكم الأفعال ونتائجها. وأي عنفٍ يستهدف المدنيين، أو يُموَّل عبر تهريبٍ أو غسل أموال أو اقتصادٍ إجرامي، يسقط فورًا خارج أي توصيف مشروع، ولا تمنحه صفة “مقاومة” ولا حصانة “قضية” .
وخلال العقود الأخيرة، شيّدت المنظومة الدولية إطارًا قانونيًا صارمًا لا يترك مجالًا للالتفاف:
تمويل الإرهاب، وتسهيله، وتغطيته، جرائم قائمة بذاتها، حتى قبل وقوع الفعل العنيف.
1 – قرار مجلس الأمن 1373 (2001)
هذا القرار لا يكتفي بإدانة الإرهاب، بل يفرض التزامات مُلزِمة على جميع الدول:
تجريم التمويل، منع الملاذ الآمن، حظر الدعم اللوجستي، تعطيل التدريب والتسليح والتنقّل، وضمان ألا تتحوّل أراضي الدول أو مؤسساتها إلى ممرات أو أغطية لجماعات مسلّحة. وبموجب هذا القرار، لا يُسأل الفاعل المباشر وحده، بل كل من سهّل أو تقاعس أو وفّر حماية فعلية.
2 – الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب (1999)
تضع هذه الاتفاقية حدًّا فاصلاً لا لبس فيه:
التمويل جريمة مستقلة، سواء استُخدم المال أم لم يُستخدم بعد، وسواء أُنفِق على سلاح أو تدريب أو دعاية أو واجهات. والأهم:
لا يجوز تبرير هذه الجرائم بدافع سياسي أو أيديولوجي أو ديني.
أي أن “الغاية” لا تبرّر الوسيلة، ولا تُبيّض المال ولا الدم.
3 – اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (باليرمو – 2000)
حين يتداخل السلاح مع غسل الأموال والتهريب والواجهات التجارية، لا يعود الحديث عن “حركة مقاومة”، بل عن جماعة إجرامية منظّمة ذات هيكل واستمرارية وموارد.
وتُجرّم الاتفاقية ليس فقط التنفيذ، بل المشاركة والتسهيل والتغطية، وتُلزم الدول بالتعاون القضائي وتبادل الأدلة والملاحقة العابرة للحدود.
4 – اتفاقية فيينا 1988 لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات
هذه الاتفاقية تُغلق الدائرة:
فحين تُستخدم المخدرات أو عائداتها في تمويل السلاح والعنف، يصبح المخدرات–غسل الأموال–الإرهاب سلسلة واحدة لا تنفصم. وتتحوّل ملاحقة العائدات وتجفيف المنابع إلى واجب دولي، لا خيارًا سياسيًا.
وعليه: عندما تتقاطع جماعة مسلّحة مع منظومات تمويل غير مشروع—تهريب، غسل أموال، التفاف على العقوبات، اقتصاد ظلّ—فإنها تدخل قانونيًا وموضوعيًا في نطاق الجريمة المنظمة العابرة للحدود، قبل أي نقاش حول “الهوية” أو “الشعار” أو “السردية”.
الخلاصة في ميزان القانون الدولي، لا وجود لكيان مسلّح “بين بين:”
إمّا عملٌ مشروع خاضع للدولة والقانون، وإمّا تنظيم إرهابي–إجرامي يعمل كسُلطة موازية—دولة داخل الدولة، وشبكة داخل الشبكات—ويُلاحَق ليس بسبب مواقفه، بل بسبب أفعاله وبنيته وتمويله.
.
بعد سقوط نظام الأسد، لم يعد السؤال الحقيقي: هل خسر حزب الله سورية؟
بل السؤال الأخطر والأكثر إلحاحًا: هل يمتلك لبنان والمنطقة والمجتمع الدولي الإرادة والقدرة على تفكيك الأذرع الإيرانية المسلحة او تفكيك الاقتصاد الموازي لحزب الله الذي يُبقي هذا التنظيم حيًّا، ويتيح له تعويض خسائره في جبهةٍ عبر أرباحه في قارة أخرى؟
ما تكشفه سنوات 2025 و 2026—من وثائق رسمية، وعقوبات دولية، وتقارير بحثية وأمنية—ليس مجرد سلسلة إجراءات متفرقة، بل إدانة بنيوية: حزب الله لم يعد يعتمد على السلاح وحده، بل على منظومة مال وتهريب وغسل أموال وواجهات اقتصادية تمتد من الشرق الأوسط إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية، وتعمل بمنطق الشبكات لا بمنطق الجبهات.
وعليه، فإن اختزال المواجهة ضمن الحدود اللبنانية ليس فقط خطأً استراتيجيًا، بل شكل من أشكال العمى السياسي.
حزب الله الذي يعمل اليوم ككيان مالي–لوجستي عابر للحدود لا يُواجَه بخطاب سيادي أو توازنات داخلية، بل بتجفيف موارده، وتعطيل شبكاته، ومساءلة كل من يوفّر له الغطاء أو التسهيل أو الصمت.
نعم إن سقوط الأسد أسقط قناع “وحدة الساحات”، لكنه كشف الحقيقة الأوسع:
حزب الله لم يعد مشكلة دولة واحدة، بل تهديد عابر للقارات وشبكات الإرهاب لا تُهزَم إلا عندما يُكسَر مالها قبل سلاحها، وتُفضَح بنيتها قبل شعاراتها.
د. عبد العزيز طارقجي



































































