شهدت الساعات الأولى من مايو 2026 تصاعداً خطيراً في التوتر السياسي والطائفي في لبنان بعدما بثّت محطة LBCI تقريراً مصغّراً تضمن شريطاً مصوّراً ساخراً بتقنية الذكاء الاصطناعي، يظهر أمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم مجسّداً على هيئة طائر عسكري ضمن لعبة «Angry Birds» وهو يقود مقاتلين لينفذوا هجوماً بواسطة «مقلاع» على مواقع إسرائيلية مجسدة بخنازير، ثم تقوم طائرة إسرائيلية مسيّرة بتدمير مواقعهم وإجبارهم على الانسحاب إلى مخابئ تحت الأرض
. أثار هذا الشريط موجة غضب واسعة لدى جمهور حزب الله وبيئته، الذين اعتبروه “إساءة طائفية” لمقاتلي الحزب وتضحياتهم
. وتحوَّل الغضب سريعاً إلى حملة مضادة استهدفت البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ورموز مسيحية أخرى، حيث نشرت حسابات موالية للحزب صوراً كاريكاتورية مسيئة تراوحت بين تشبيه شخصيات مسيحية بخنازير ورموز هزلية
.
ردّ حزب الله رسمياً ببيان صادر عن علاقاته الإعلامية حذّر فيه من “محاولات إثارة فتنةٍ غير قابلة للضبط” عبر هذه الرسوم ونوّه بمعاقبة «من يكرهون أن يكونوا سبّابين» في إشارة إلى قيم الوئام الوطني
. في المقابل، أدان رؤساء السلطة الدينية والسياسية في لبنان وأحزاب عدة الحملة، وحذّروا من مخاطر “احتراق لبنان” في أتون فتنةٍ طائفية. ففي بيان باسم المجلس الشرعي الشيعي، نوّه المفتي الشيعي أحمد قبلان برفضه لأي إساءة بين المكوّنات اللبنانية، مؤكداً أنّ بشارة الراعي “شريك وطني” له “حق الموقف المسؤول”، وأنّ معيار الأخلاق والضمير الواجب على الجميع هو نفسه بين الشيعة والمسيحيين
. وحثّ رئيس البرلمان نبيه بري على ضرورة ضبط النفس وتحمّل المسؤوليات الوطنية وتجنّب تأجيج الفتنة
. من جهته، وصف رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع الحملة ضدّ الراعي بأنها ليست “غريبة عن البطريركية الثابتة على مبادئها”، مؤكداً وقوفه إلى جانب البطريرك
. كما دان نواب وأحزاب (كتائب، الثنائي الشيعي، غيرهم) هذه الحملة ومؤكّداً أنّ استهداف الرموز الدينية تهديد مباشر لوحدة الوطن.
على خلفية الاحتقان السريع، استعدّ قانونيون لرفع دعاوى جزائية ضدّ المسيئين للراعي، مستندين إلى نصوص قانون العقوبات اللبناني التي تحظر “التجديف أو التحقير العلني بالشعائر أو الرموز الدينية”
، وقد تصل عقوبتها إلى الحبس والغرامة، كما قد تندرج تحت “الجرائم الواقعة على السلم الأهلي” إذا ثبت قصد إثارة الفتنة
. وبالموازاة، حذّر محللون سياسيون من خطورة هذا المنحى التصاعدي في التصريحات والرسوم، إذ تنشر “دكاكين إعلام متصهينة” (وفق وصف قبلان) روايات تغذي الانقسام الطائفي
. وتنبّه المراقبون إلى أن استمرار هذا التراشق الإعلامي قد يفاقم الانقسامات الداخلية خصوصاً مع تصاعد المواجهة مع إسرائيل جنوباً، ما يضيف أعباء أمنية على السلم الأهلي اللبناني.
ختاماً، يشدّد الجميع على ضرورة تغليب لغة الحوار والتعقّل، والالتزام بالقوانين المنظمة لحرية التعبير، واتخاذ الإجراءات القانونية ضدَّ من يخرق هذه الحدود. وتطالب التوصيات بضبط “الصحافة الرقمية” وضبط الإعلام الإلكتروني المثار، وتعزيز التضامن الوطني، والكفّ عن توظيف اختلافات سياسية في أتون صراعات دينية أو طائفية
.
ردود الفعل الإعلامية والإقليمية
تصدّرت الحادثة وسائل التواصل والقنوات اللبنانية، ثم انتقل الاهتمام إلى الإعلام الإقليمي والدولي. نقلت وكالات الأخبار (العربية والعالمية) خبراً الفيديو وصدى حملة حزب الله الداعمة له، غالباً مع التركيز على بعده الطائفي. مثلاً، أشار مقال في «المدن» إلى أن الفيديو انتشر بكثافة على مواقع التواصل وأثار اتهامات بـ«الإساءة إلى مقامات دينية»
. وغطّت وكالات كـ«المونيتور» و«RT العربية» الحادثة معاً، مشيرة إلى بيان حزب الله الندّي لفتنة الشارع
ودعوة عون إلى التحلّي بالتعقّل
. لم تسلم القناة من النقد، إذ استُنكرت محتوى البرنامج (من «محاولات للتحريض» إلى «رداءة مبتذلة»، وفق بعض الصحف) لما فيه من “توظيف صوري لرفع وتيرة التصعيد مع حزب الله”
. في المقابل، نقلت وسائل الإعلام المسيحية اللبنانية والكاثوليكية تنديد البطريركية والمدافعين عنها، واهتمامها بالتحرّك القضائي ضد المسيئين
.
التوجهات العامة في وسائل التواصل: انتشر عبر منصات التواصل هاشتاغات منددة بالفيديو أو داعمة للراعي (مثل #بكفيكم) من الناشطين المسيحيين والمدنيين، مقابل هاشتاغات مؤيدة لحزب الله اعتبرت الانتقاد تطاولاً على مقاومة لبنان. ورصدت بعض الصفحات “حملة تبرير” من قبل ناشطين موالين للحزب، على غرار نشر تعليقات تشكك بأهداف الفيديو وترى فيه “تعبيراً عن أصوات خارجية”
. عمومًا، يبدو أن أجواء السوشال ميديا اتسمت بالاستقطاب الحاد بين معسكرين، دون تحوّل الاحتجاجات إلى مظاهرات شعبية كبرى حتى الآن.
سياق تاريخي ومقدمة سابقة
ليس هذا النزاع الأول من نوعه في لبنان. ففي أغسطس 2025، أثار البطريرك الراعي دعوته إلى “نزع سلاح حزب الله” موجة انتقادات مماثلة؛ فقد وصف المركز الكاثوليكي للإعلام ما جرى بعدها بأنه “حملة شعواء” على الراعي
، ودان التحوير الذي لُحق بمواقفه و«مصادرة تضحيات اللبنانيين من مختلف الطوائف»
. كذلك، تكرر استهداف رجال دين مسيحيين (ليس الراعي وحده) في الماضي، لا سيما أيام الحرب الأهلية وعام 2008 بعد صعود أمل. وخلال حرب 2006 على سبيل المثال، ظهرت رسوم مسيئة للحزب على صفحات إعلامية لبنانية، ما أدى إلى استنكار سياسي وإسلامي. وفي كل تلك الحالات، حذّر قادة الدولة من مخاطر توظيف الانقسامات الطائفية في اللعبة السياسية
. تجارب سابقة تؤكد أن لبنان “حادٌ وحساس” تجاه أي خطاب يمس توازنه الطائفي
، وأن المساس بالرموز الدينية يكون له بالغ الأثر على الاستقرار الداخلي.
التحليل القانوني والأخلاقي
حرية التعبير مقابل الإساءات: يدرك القانون اللبناني عدداً من النصوص التي تقيّد التعبير لحماية “الشعور الديني والوحدة الوطنية”. فالمادة 386 من قانون العقوبات تجرّم «التجديف أو التحقير العلني بالشعائر أو الرموز الدينية»، وتنص على عقوبات قد تصل إلى السجن والغرامة في حق مرتكبها
. وإذا ما وقع الإساءة عبر وسائل النشر، فالغرامات والسجن تكون أشد. كذلك تتيح نصوص جزائية اعتبار الإساءة العلنية إلى طائفة أو رموزها «جرائم ضدّ السلم الأهلي» أو «إثارة النعرات الطائفية»، خصوصاً إذا ثبت نية التحريض
.
في المقابل، تؤكد مواثيق الصحافة والقوانين الدولية أن حريّة التعبير غير مطلقة؛ فهي لا تشمل التحريض على الكراهية أو النزاع الداخلي. فقد شدّد قبلان على أن تراث لبنان الديني والأخلاقي «لا يقبل أي إساءة» مهما اختلف الطرفان
، بينما طالب أركان المذهبين المسيحي والإسلامي بالتقيد بالمسؤولية الدينية والوطنية في الخطاب. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الحجة القائلة إن الرسوم الساخرة سياسيٌّ بطبيعته ضمن نطاق النقد المسموح، شرط أن لا تتعدى حدود القداسيات. ولكنّ معظم التصريحات الرسمية عدّت ما جرى تتجاوز هذه الحدود، واعتبرته مدعاة لتطبيق أحكام القانون على من يستحق.
أخلاقيّاً: حمل بعض المحلّلين الإعلاميين الحادث على لسان «دكاكين إعلام متصهينة» تعمل بـ«المذاهب الوطنية المبتذلة»
، واعتبروا أن إعادة إنتاج الحرب السورية (في اصطلاح البعض) عبر تسخيف قيادات لبنانية أمرٌ مرفوض. ويرى آخرون أن اختلافات اللبنانيين ليست سببا للحرائق، وأن تعزيز “ميثاقية” الحوار يجب أن يمنع أي تطاول على رموز يسود عليها التوافق الوطني
.
تبعات أمنية ومستقبلية
تُجمع معظم المصادر على أن مفتاح “السلام الأهلي” يقع اليوم في تثبيت قيم ضبط النفس. ورأى الرئيس بري أن الخصم الوحيد في “الفتنة” هم أعداء لبنان المشتركون، لا الداخل اللبناني
. في المقابل، حذّر تيار حزب الله سابقاً بأن إعلان نزع السلاح قد يؤدي إلى «حرب أهلية» (وهو ما نفاه الراعي لاحقاً)، في مؤشر إلى هشاشة الوضع إذا ما تشعّبت الأزمة. وتشير التقييمات الأمنية إلى أن اللبنانيين المنقسمين سيظلون سهلاً على الاستهداف الخارجي، سواء عبر استثمار الأزمة السورية أو الضغط الإسرائيلي على الحدود.
ولم يغفل الإعلاميّون عن تزامن هذا الخلاف الإعلامي مع توتر المواجهة مع إسرائيل جنوبيّاً: فقد وصفوا تصعيد الشارع الداخلي بأنه «تسلية» لبعض الأطراف بينما يلاحق لبنان قصف خارجي وعقوبات دولية. ويأتي ذلك مع استمرار المفاوضات الحكومية مع المجتمع الدولي (الدوحة، باريس، واشنطن) لإعادة دعم اقتصادي مقابل استقرار سياسي، مما يستوجب إبعاد الأزمة المحلية عن نمط خطاب الحرب
.



































































