
كلما لوّحت طهران بتهديد جديد في الخليج، بدا أن عليها أن تجيب عن سؤال يتجاوز قدرتها على تنفيذ التهديد: من الذي سيستفيد منه؟ وقد عاد هذا السؤال مع الحديث عن كابلات الاتصالات البحرية، بعدما تناولت وسائل إعلام مرتبطة بالحرس الثوري، بينها «تسنيم» و«فارس»، إمكان إخضاع الكابلات المارة في مضيق هرمز للرسوم والتراخيص والرقابة الإيرانية، فيما ذهبت دعوات متشددة لاحقاً إلى التلويح بقطعها. ومن هنا يبرز استنتاج شائع: إن تعطيل الكابلات سيدفع الدول والشركات إلى الاعتماد أكثر على الاتصال الفضائي، وفي مقدّمته «ستارلينك»، فتكون إيران قد ألحقت الضرر بمصالح الخليج، وقدّمت في الوقت نفسه فرصة لشركة أميركية يملكها إيلون ماسك. غير أن هذا الاستنتاج، على وجاهة جزء منه، يخلط بين احتمال استفادة شركة من أزمة وبين وجود مصلحة إيرانية في صنع تلك الأزمة أو تنسيقها مع واشنطن.
التهديد بضرب الكابلات سيجعلها تلتف على عنق ايران
وتخنقها أكثر لا شك في أن التهديد جدي من حيث ما يمكن أن يلحقه بالبنية الرقمية للمنطقة. فالكابلات البحرية ليست خطوطاً هامشية يمكن الاستغناء عنها بسهولة؛ إذ يقول الاتحاد الدولي للاتصالات إنها تحمل أكثر من 99 في المئة من تبادل البيانات الدولي، وتعتمد عليها خدمات مالية وتجارية وحكومية، إلى جانب الحوسبة السحابية والاتصالات اليومية. وتمر في مضيق هرمز ومياهه القريبة أنظمة رئيسية، منها AAE-1 وFALCON وGulf Bridge International، تصل دول الخليج بمراكز الاتصال في آسيا وأوروبا. لذلك فإن إصابة هذه الشبكات قد تؤدي إلى بطء الاتصالات وارتفاع كلفتها وتعطل بعض الخدمات، ولا سيما إذا تضررت مسارات عدة في وقت واحد.
لكن التهديد لا يبرر تصوير الكابلات كما لو كانت زرّاً واحداً يؤدي قطعه إلى إطفاء الإنترنت في الخليج أو العالم. فالأثر يتوقف على موقع الضرر وعدد المسارات المتأثرة والسعة المتاحة في الشبكات البديلة، وقدرة مشغلي الاتصالات على تحويل الحركة إلى طرق أخرى. وقد أظهرت أضرار الكابلات قرب جدة في سبتمبر 2025 أن انقطاعاً محدوداً يمكن أن يبطئ الاتصال في أجزاء من الشرق الأوسط وجنوب آسيا، لكنها لم تثبت أن كل قطع يؤدي إلى انهيار شامل أو دائم. وتلك نقطة أساسية في تفنيد المبالغة الإيرانية: فالتلويح بالكابلات أداة ضغط مؤثرة، لكنه لا يمنح طهران سيطرة مطلقة على الاتصال الرقمي، ولا يجعل المنطقة رهينة لكابل واحد.
قطع الكابلات سيجعل ستارلينك بديلاً جاهزاً؟؟؟
ذلك يصطدم بفارق تقني واضح بين الشبكتين. تستطيع الأقمار الصناعية أن توفر اتصالاً مهماً في الطوارئ، وأن تربط أفراداً ومؤسسات في أماكن يصعب الوصول إليها، لكنها لا تحمل حتى الآن السعة نفسها التي تنقلها الكابلات البحرية بين مراكز البيانات والأسواق. وقد نقلت رويترز عن خبراء أن خدمات الأقمار الصناعية لا تستطيع استيعاب حجم حركة البيانات التي تحملها الكابلات، وأنها أعلى كلفة، فيما وصف أحد المحللين ستارلينك بأنه حل محدود النطاق قياساً بالحاجة إلى ربط ملايين المستخدمين. ولذلك فإن التوسع في الاتصال الفضائي قد يكون جزءاً من خطط الطوارئ، لكنه لا يعوّض البنية البحرية ولا ينقل تلقائياً حركة المنطقة إليها.
ولا يعني ذلك أن ستارلينك لن تستفيد من التهديدات. فمن الطبيعي أن يؤدي تصاعد المخاطر إلى زيادة اهتمام الحكومات والشركات بالبدائل، وأن تحظى خدمات الأقمار الصناعية بفرص أكبر في خطط التحوط. وقد أثبتت هذه الخدمات فائدتها في بعض حالات الطوارئ، منها تعطل كابل فانواتو البحري عام 2024، حين استُخدم الاتصال الفضائي للمساعدة في استعادة الاتصالات. لكن هناك فرقاً بين أن تستفيد شركة من طلب جديد، وبين أن تكون هي المستفيد الوحيد أو أن تكون الأزمة قد صُنعت لمصلحتها. فالسوق قد يتجه إلى أكثر من مزود، كما تتأثر الخيارات بالكلفة والسعة والتغطية والقيود التنظيمية، ولا تكفي فرصة تجارية محتملة لإثبات وجود ترتيب سياسي وراءها.
بل إن تهديد الكابلات قد يرتد على إيران نفسها. فبعض الشبكات التي تمر في الممرات البحرية القريبة تخدم إيران أيضاً، كما أن تعطيل الاتصال في الخليج يضر بالتجارة والاستثمار ويضعف جاذبية المنطقة لمشاريع البنية الرقمية. وقد أشار تحليل لمركز ستيمسون إلى أن المخاطر الأمنية أوقفت أو أخّرت مشاريع كابلات جديدة في الخليج، على نحو يشبه ما جرى في البحر الأحمر. بهذا المعنى، لا تكون النتيجة مكسباً صافياً لطهران أو لستارلينك، بل زيادة في كلفة الاتصال ومخاطره على المنطقة، مع احتمال أن تستفيد شركات الاتصال الفضائي من جانب واحد من آثار الأزمة، من دون أن تعوّض الخسائر التي تلحق بالاقتصادات وشبكات الاتصالات.
هناك «تخادماً» بين النظام العميق في طهران والإدارة الأميركية!!!
ومن هنا ينبغي التعامل بحذر مع السؤال السياسي: هل تبيع إيران مواقف عدائية لواشنطن مقابل تخفيف الضربات، أم أن هناك «تخادماً» بين النظام العميق في طهران والإدارة الأميركية؟ ليست العلاقات بين الدول محكومة دائماً بالعداء أو التحالف الكامل؛ فقد تتفاوض الحكومات المتخاصمة، وقد تتعاون تكتيكياً في ملف وتتواجه في ملفات أخرى. ففي الثمانينيات، جرت اتصالات وصفقات سرية أميركية مع إيران كُشفت في فضيحة «إيران ـ كونترا»، كما تعاون دبلوماسيون إيرانيون وأميركيون عام 2001 في مؤتمر بون بشأن تشكيل حكومة أفغانية جديدة، رغم استمرار التنافس بين البلدين. تثبت هذه السوابق أن التعاون المحدود خلف خطاب الخصومة ممكن، لكنها لا تثبت وجود تفاهم دائم، ولا تبرهن على أن تهديد الكابلات جزء من صفقة مع واشنطن.
لكي يصبح اتهام «التخادم» حكماً على الوقائع، لا بد من دليل يربط قرار التهديد أو التنفيذ بتنسيق أو تبادل منافع محدد؛ أما مجرد أن شركة أميركية قد تجني فائدة من اتجاه الدول إلى بدائل فضائية، فلا يكفي لإثبات أن طهران تعمل لمصلحتها. كذلك لا يكفي إعلان العداء لإثبات أن كل اتصال أو تفاوض بين الطرفين مستحيل. فقد تنتج عن خطوة إيرانية مكاسب تجارية لشركة أميركية من غير قصد، وقد تستخدم إيران التهديد لتحقيق ضغط سياسي أو ردع، فيما تسعى الدول المتضررة إلى تنويع شبكاتها. هذه احتمالات تفسر المشهد من دون افتراض مؤامرة لا تسندها الأدلة المنشورة.
طهران تستخدم التهديد بالبنية الرقمية أداةً للضغط …
والأقرب إلى الوقائع أن طهران تستخدم التهديد بالبنية الرقمية أداةً للضغط، وأن التهديد قد يسرّع الاستثمار في بدائل الاتصال، ومنها الأقمار الصناعية، لكنه لا يحوّل ستارلينك إلى بديل كامل قادر على حمل حركة الإنترنت الخليجية كلها، ولا يثبت أن إيران تبيع مواقفها لواشنطن أو تنسق معها سراً. إن مفارقة استفادة شركة أميركية من أزمة إقليمية تستحق البحث، لكن تفنيد الخطاب الإيراني لا يحتاج إلى تحويل المفارقة إلى دليل قاطع على «التخادم». يكفي أن نرى في التهديد مغامرةً قد تضر باقتصاد المنطقة وإيران معاً، وتمنح بعض شركات الاتصال فرصة إضافية، بينما تظل حقيقة التنسيق السياسي بحاجة إلى أدلة مستقلة.
































































