
لا تكاد المملكة العربية السعودية تلتقط أنفاسها من هجمات صاروخية حوثية غير مسبوقة استهدفت مطار الملك خالد الدولي في الرياض مرات متعددة خلال الأيام العشرة الأخيرة، أسفرت عن 20 قتيلاً وأكثر من 370 جريحاً وتدمير طائرة مدنية من طراز إيرباص A320، حتى تفاجأ المراقبون بحجم الخيوط المتشابكة التي تحاك ضد المملكة من كل اتجاه.
“السعودية تواجه خمس جبهات في وقت واحد: الحوثي من الجنوب، إسرائيل من القرن الأفريقي، إيران عبر الميليشيات، وأميركا التي تدفع نحو صراع سني-شيعي، إضافة إلى أدوات إعلامية تغذي الفتنة من الداخل.”
ففي الوقت الذي يشن فيه الحوثي — المدعوم إيرانياً — هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على المطارات والمنشآت النفطية السعودية في أبها وجازان ونجران والرياض والدمام، يسجل المحللون الاستراتيجيون تقدماً إسرائيلياً غير مسبوق في القرن الأفريقي، يمثل طوقاً يضيق حول السعودية من الجهة الجنوبية الغربية.
في 26 ديسمبر 2025، أعلنت إسرائيل اعترافها بجمهورية أرض الصومال (صوماليلاند)، في خطوة هي الأولى من نوعها من دولة عضو في الأمم المتحدة. وقد تحول ميناء بربرا الاستراتيجي على خليج عدن إلى قاعدة عسكرية إسرائيلية محتملة تطل على مضيق باب المندب، على بعد 260 كيلومتراً فقط من السواحل اليمنية. وأفادت تقارير إعلامية — من بلومبرغ إلى سي إن إن — أن مسؤولين أمنيين إسرائيليين تفقدوا السواحل الصومالية لاختيار مواقع لقاعدة عسكرية، وأن طائرات إسرائيلية قد تستخدم قاعدة بربرا الجوية — بمدرجها البالغ طوله 4,185 متراً — للتزود بالوقود في رحلاتها الطويلة نحو إيران. وذكرت رويترز أن وزير الدفاع في أرض الصومال أكد تقديم إسرائيل برامج تدريبية للوحدات العسكرية والشرطية في الإقليم.
وإذ تتحدث المصادر عن أن إسرائيل تسعى أيضاً إلى التموقع في جزيرة عبد الكوري في أرخبيل سقطرى باليمن بالتعاون مع الإمارات — في إطار قاعدة استخباراتية عسكرية مشتركة — فإن الصورة الجيوسياسية الكاملة تشير إلى أن السعودية تواجه تطويقاً بحرياً من الشمال (احتلال إسرائيلي لسوريا) ومن الجنوب (قواعد في القرن الأفريقي) ومن الغرب (الحوثي المسيطر على باب المندب)، فيما تبقى الجبهة الشرقية — الخليج العربي — متوترة بالحرب الأميركية-الإيرانية.
غير أن المتتبع للخطاب السياسي الأميركي يجد أن واشنطن — التي تخوض حرباً مع إيران — تسعى لدفع المنطقة برمتها نحو صراع سني-شيعي مفتوح، تخدم به أجندة “الصهيونية العالمية” التي تريد إرهاق العرب في حروب داخلية تنهك مقدراتهم وتُبقي إسرائيل سيدة الميدان الوحيدة. وقد أظهرت تسريبات أن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب اقترح جعل الانضمام إلى “اتفاقات إبراهيم” “إلزامياً” على الدول العربية والإسلامية في مايو 2026، وهو ما رفضته الرياض علناً، إذ رأت أن التطبيع لا يمكن أن يتم من دون حل عادل للقضية الفلسطينية. وكشفت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور عن أن مسؤولاً سعودياً كبيراً وصف إسرائيل بأنها أصبحت “مصدر زعزعة استقرار” في المنطقة.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الموقف اللبناني — أو بتعبير أدق — الموقف اللبناني المتخاذل. إذ أن لبنان الرسمي، المفترض أن يكون في صف السعودية في مواجهتها الوجودية ضد الحوثي والرديف الإيراني، يبدو غارقاً في انقسامات طائفية تعجزه عن اتخاذ أي موقف واضح. فيما تستمر أدوات حزب الله وإيران الإعلامية في شن حملات قذرة ضد المملكة، متهمة إياها بالتخلي عن لبنان والتآمر على المقاومة، بينما الحقيقة أن حزب الله هو من حوّل لبنان إلى ساحة للنفوذ الإيراني، وأدخل البلاد في حرب مدمرة مع إسرائيل.
تسعى إيران بكل ثقلها لفرض أمر واقع جديد في لبنان من خلال الزيارات المتكررة. ففي 8 يناير 2026، وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت على رأس وفد سياسي واقتصادي رفيع، والتقى رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام والمفتي عبد اللطيف دريان، بالإضافة إلى وفد من حزب الله ضم الشيخ علي دعموش. بل إن عراقجي زار قبر الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في خطوة استفزازية واضحة، وأعلن أن التبادل التجاري بين إيران ولبنان بلغ 110 ملايين دولار، داعياً إلى تفعيل اللجنة الاقتصادية المشتركة.
لكن الأخطر مما سبق هو ما كشفته وكالة رويترز في 7 أكتوبر 2026: أن حزب الله تلقى 200 مليون دولار نقداً من إيران لمساعدة النازحين اللبنانيين، بزعم أن الأولوية ستكون للعائلات التي دمرت قراها. هذه الأموال — التي وصلت عبر وسطاء تقاضوا عمولة 20% — تهدف إلى شراء ولاء اللبنانيين وإظهار أن إيران هي الملاذ الأول، وأن حزب الله هو المانح لا الدولة اللبنانية العاجزة. وقد أعلن الشيخ علي دعموش — رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله — أن سقف المساعدات لكل عائلة يصل إلى 14 ألف دولار في بيروت والضاحية الجنوبية، في محاولة واضحة للتغطية على عجز الدولة.
“أين اللبنانيون الذين يتوجب عليهم الوقوف صفاً واحداً مع السعودية؟ بدلاً من ذلك نجد بعض التيارات تنظر إلى الرياض وكأنها خصم، وتتغاضى عن الهجمة الإيرانية التي تريد تحويل لبنان إلى محافظة إيرانية.”
ما يجري اليوم ليس مجرد حرب بالوكالة، بل هو إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط برمتها، حيث تلتقي المصالح الإسرائيلية والإيرانية — للأسف — عند نقطة إضعاف السعودية والدول العربية السنية، وإن اختلفت الوسائل. فإسرائيل تحاصر من الخارج عبر القواعد في القرن الأفريقي والتغلغل في اليمن، وإيران تحاصر من الداخل عبر ميليشياتها في اليمن ولبنان والعراق وسوريا، فيما تدفع أميركا باتجاه إرهاق الجميع باستثناء إسرائيل.
فهل يعي العرب — واللبنانيون خصوصاً — خطورة المرحلة قبل فوات الأوان؟ أم أن نار الصراع السني-الشيعي التي تغذيها الصهيونية العالمية ستلتهم الجميع دون استثناء، والسعودية التي كانت دائماً قلعة العروبة ستبقى وحدها في وجه العواصف، بينما يتفرج اللبنانيون — من وراء ستائرهم الطائفية — على احتراق المنطقة من حولهم؟
أرز برس — المصادر: رويترز، أسوشيتد برس، بلومبرغ، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، تقارير ميدانية.
































































