في مطلع شهر نيسان من عام 2026، يبدو لبنان وكأنه عالق في لحظة سياسية كثيفة، لا هي قادرة على الانفجار الكامل ولا على الاستقرار. بلدٌ اعتاد التوازنات الدقيقة، لكنه اليوم يعيش اختلالاً واضحاً في موازين القوى، حيث يتقاطع السياسي بالأمني، والداخلي بالإقليمي، في مشهد يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. لم تعد الأزمة مجرّد خلاف بين أطراف سياسية متنافسة، بل تحوّلت إلى صراع عميق حول طبيعة الدولة نفسها: هل تبقى دولة مؤسسات ذات سيادة كاملة، أم تستمر ككيان هشّ تتنازعه مراكز قوى متعددة؟
في قلب هذا المشهد، يقف ما يُعرف بالثنائي الشيعي، مدعوماً بحلفاء سياسيين، في مواجهة شريحة واسعة من القوى اللبنانية التي ترفع شعار السيادة واستعادة القرار الوطني. هذا الانقسام لم يعد محصوراً في الخطاب السياسي أو في قاعات البرلمان، بل تمدّد إلى الحياة اليومية للبنانيين، حيث باتت كل قضية—من تشكيل الحكومة إلى تعيين موظف إداري—محكومة بحسابات الاصطفاف السياسي الحاد.
الحكومة، التي يُفترض أن تكون مساحة للتلاقي وإدارة الأزمات، تبدو اليوم كأنها ساحة صراع بحد ذاتها. رئيسها، الذي يحاول التوفيق بين التناقضات، يجد نفسه تحت ضغط مستمر، خصوصاً من أطراف ترى في بعض توجهاته خروجاً عن المسار الذي تريده. الهجوم عليه لم يعد مجرد نقد سياسي تقليدي، بل أصبح في كثير من الأحيان خطاباً تشكيكياً يطعن في خياراته وشرعيته، ويضعه في موقع الدفاع الدائم. هذا المناخ لا يسمح بعمل حكومي منتج، بل يفرض إيقاعاً مشلولاً، حيث تتحول كل خطوة إصلاحية إلى مادة نزاع.
في الخلفية، يبرز دور “المقاومة” كعنصر أساسي في هذا الاشتباك السياسي. فبالنسبة لمؤيديها، هي ضمانة استراتيجية في وجه التهديدات الخارجية، بينما يراها خصومها عاملاً رئيسياً في تعطيل قيام الدولة الكاملة السيادة. هذا التباين في النظرة لم يعد قابلاً للاحتواء بسهولة، خاصة مع تصاعد الخطاب السياسي الذي يتخذ طابعاً أكثر حدّة، حيث تتكرر الاتهامات بالخيانة أو الارتهان للخارج، ما يعمّق الهوة بين اللبنانيين بدل أن يردمها.
وفي هذا السياق، يزداد القلق مع تصاعد لغة التهديد في الحياة السياسية. فالمعارضة لخط “حزب الله” لم تعد مجرد موقف سياسي، بل باتت في بعض الأحيان محفوفة بضغوط متعددة، تبدأ من الحملات الإعلامية ولا تنتهي عند حدود التوترات الميدانية. تداول أخبار عن مضايقات أو اعتداءات—مهما اختلفت الروايات حولها—يساهم في ترسيخ مناخ من الخوف والاحتقان، ويضع حرية التعبير أمام اختبار صعب في بلد طالما افتخر بتعدديته.
هذا الواقع ينعكس مباشرة على عمل مؤسسات الدولة، التي تبدو وكأنها تفقد تدريجياً قدرتها على المبادرة. القرارات تُؤجَّل، الجلسات تُعطَّل، والإصلاحات تبقى حبراً على ورق، فيما يراقب المجتمع الدولي هذا المشهد بحذر، متردداً في تقديم الدعم لبلد لا تبدو سلطته السياسية موحّدة على رؤية واضحة. وهكذا، يجد لبنان نفسه في دائرة مفرغة: لا إصلاح دون استقرار سياسي، ولا استقرار في ظل هذا الانقسام الحاد.
أما المواطن اللبناني، فهو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. يعيش يومياته تحت وطأة أزمة اقتصادية قاسية، فيما يراقب طبقته السياسية تتنازع على النفوذ والصلاحيات. شعور عام بالإحباط يتسلل إلى النفوس، يترافق مع ازدياد الهجرة وفقدان الأمل بإمكانية التغيير القريب. لم يعد السؤال بالنسبة لكثيرين “من على حق؟”، بل “هل هناك مخرج أصلاً؟”.
لبنان اليوم ليس فقط أمام أزمة سياسية، بل أمام اختبار وجودي. فإما أن تتمكن قواه المختلفة من إعادة إنتاج صيغة توازن جديدة، تعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، وتخفف من حدّة الاستقطاب، أو يستمر الانحدار نحو مزيد من التفكك، حيث تتحول الخلافات السياسية إلى قطيعة وطنية يصعب ترميمها. وفي ظل غياب مؤشرات واضحة على تسوية قريبة، يبقى المستقبل مفتوحاً على كل الاحتمالات، في بلد اعتاد أن يعيش على حافة الأزمات، لكنه لم يبلغ ربما مثل هذا المستوى من التعقيد منذ سنوات طويلة.



































































